السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

ضواري السياسة وحملانها



الخميس, 28 أغسطس 2008
محمد الرميحي

وقفت هيلاري كلينتون في مؤتمر الحزب الديمقراطي المنعقد في دنفر، كلورادو، المخصص لتتويج باراك أوباما مرشحاً للحزب الديمقراطي من أجل خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، وقفت السيدة وبكلمات حاسمة قالت لمؤيديها الكثر في المؤتمر: لم يعد هناك معسكر هيلاري، ومعسكر أوباما، نحن متحدون من أجل غرض أهمّ من الأشخاص، وحدة الحزب من أجل الحصول على البيت الأبيض في الخريف المقبل، لأن هناك سياسات ديمقراطية في الصحة والتعليم والحرب والسلم تخصّ الأميركيين جميعا، نحن موحدون حولها.

في المقابل، مع الأسف الشديد، لم يقف زعيم في حماس أو السلطة الفلسطينية ليقول للبائسين الفلسطينيين في المخيمات والمنافي، الذين يرغبون بأن يكون لهم كيان سياسي يخفّف -على الأقل- من حدّة وضعهم الإنساني المأساوي، لم يقف أحد من الطرفين ليقول: نحن الآن موحدون من أجل هدف أكبر هو الوطن الفلسطيني أو الحصول على دولة. في تراثنا العربي السياسي لا يوجد مثل هذا الأمر، يوجد «أنا وليذهب الآخرون بمن فيهم الأوطان إلى الجحيم»!

وهناك مقابل آخر، فرغم الحديث عن حكومة وطنية في لبنان، نجد أن الفرقاء السياسيين لايزالون يتناحرون على كلمةٍ هنا، ومنصب هناك، والوطن اللبناني يتآكل، من دون كهرباء أو ماء صحي أو حتى أساسيات أخرى متوفرة في أي بقعة من العالم يعيش فيها بشر، وهي استتباب الأمن. ومع ذلك لم نجد أحداً حتى اللحظة يقول: إن لبنان هو الهدف فلنتوحد من أجله.

الملاحظ أن مثل هذه المواقف؛ وحدة الوطن ووحدة الهدف، هي كالأنف في وجه الإنسان، بارزة وطبيعية، تلاحظها في أي مجتمع سياسي إنساني لكونها بديهية للوصول إلى الخير العام، ما عدا سياسيينا المتناحرين على المصالح الضيقة فإنهم يتجاهلون ذلك ولا يجهلونه.

بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون خلاف دام لأشهر، وكلام قاس متبادل بين المعسكرين شبع من ترديده الإعلام. ومثل أية معركة لها قواعد حضارية، عندما انتهى زمن، وقدم زمن آخر، قُدّمت الوحدة التي تُقرّب للوصول إلى الهدف، ورصت الصفوف بين كبار الضواري السياسيين في الحزب الواحد.

مثال فلسطين له أمثلة أخرى.. كما هو مثال لبنان، فهما عيّنة لما يعتري الثقافة السياسية العربية من نكوص، يكاد يكون له علاقة بالطفولة السياسية التي تخطّاها الكثير من الأمم والدول. حتى في زيمبابوي، مع الاحترام الشديد، استطاعت المعارضة والحزب الحاكم أن يجدا من المشترك ما يتوافقان عليه، وتحوّل الجوارح القدامى إلى شركاء جدد.

السياسي إطفائي يتقصّى مكان الأزمات ويقدم الحلول لها من أجل راحة الناس وسعادتهم وسلامتهم. لكن معظم السياسيين العرب يشعلون الحرائق بأنفسهم، بل ويتفننون في إيذاء البشر وتعطيل مصالحهم، كل ذلك يتم باسم الناس. هل هذه الظاهرة لها علاقة بالثقافة السياسية للزعماء، أم هي ذات علاقة وثيقة بفهمنا نحن -المتلقين للشعارات- وانخراطنا في تعصب أعمى لا نستطيع أن نفرق بعده بين الضارّ والنافع؟

في السياسة العربية إما أن تكون عبداً للزعيم وإما من ألدّ خصومه.. لا توجد منزلة بين المنزلتين.. لفت انتباهي تصريح أحد قادة الفصائل الفلسطينية مؤخراً، قال: لم نعرف قيمة ياسر عرفات إلا بعد أن فقدناه، وكان المقربون من المرحوم ياسر عرفات كثيراً ما يقولون: لا مكان ضد الرئيس في معسكر الرئيس. هذا دليل على العبودية أو الخصومة الفظّة التي ليس لها علاقة بالمصالح المتغيرة ولا بالعقل، بل هي مشوبة بالعاطفة، والعمل السياسي في البداية والنهاية عمل عقلي، بل من أسمى أعمال العقل، إلا أن الأسوأ من ذلك الأصم الذي لا يريد أن يسمع.

ومن نافلة القول: إن ما سلف ذكره كان على الصعيدين العالمي والعربي، أما محلياً فإن بعض سياسيينا لا يفرّقون بين المصلحة الوطنية -الأهمّ طبعا، والتي يجب أن يكون وجودهم في أماكنهم من أجلها- وبين مصالحهم الشخصية الضيقة -التي يجب أن تكون هي آخر الهموم- كما رأينا في مثال كلينتون، وبهذا ينجرفون في سبيل تحقيق مرادهم إلى مهاوي الفساد من دون أن يدروا، وبما يعود على هذا البلد بالسوء والفوضى.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.