السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

مَكرُ التاريخ



الاثنين, 8 سبتمبر 2008
د. أمحمد مالكي

هل كان إعتذارُ «سيلفيو برلوسكوني» عن الماضي الاستعماري لبلاده في ليبيا (1911 - 1943) إختياراً طوعياً أم من مَكر التاريخ؟. ففي عشية الذكرى التاسعة والثلاثين لثورة الفاتح، شهدت مدينة بنغازي المتوسطية حفلَ التوقيع على «معاهدة صداقة واتفاق شراكة» بين الجماهيرية الليبية والحكومة الايطالية، ليُسدلَ بذلك الستار على خلاف بين الدولتين حول الحقبة الاستعمارية، ويفتح أفقاَ جديداً في علاقتهما المستقبلية. ولئن اعتبر البعضُ خطوةَ إيطاليا تجاه ليبيا، وتحديداً إزاء ماضيها الاستعماري، قرارَ مصلحة ليس إلا، فإن رمزيةَ الحدث تنطوي ، في تقديرنا، على أكثر من دلالة، ولربما ستكون لها تبعات وآثار بالنسبة للأقطار التي خَبِرَت الاستعمار وعانت من مآسي جرائمه.

تتمثل الدلالةُ الأولى في حدث الاعتذار في حدِّ ذاته. فمن المعروف أن النصف الأخير من القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين كانا حقبة استعمار بامتياز، بل إن جيوباً استعماريةً ظلت مستحكِمةً في رقاب العباد والبلاد حتى فيما بعد تأسيس الأمم المتحدة(1945)، وشيوع فكرة تصفية الاستعمار وتقرير المصير، ومع ذلك، وبالرغم من الوعي المتصاعد بخطورة الماضي الاستعماري وآثاره السلبية العميقة على مسيرة تطور الشعوب، لم يجرؤ المستعمرون، وقد تنوعت ألوانهم، على الاعتراف بالأخطاء الجسيمة لماضيهم، وتقديم اعتذارات في حق المجتمعات التي طالتها جرائمهم، بل إن بعضهم لم يتردد في تشريع مقولة وجود «إيجابيات» للحقبة الاستعمارية، كما فعلت فرنسا في مرسوم فبراير 2006 ، رداًّ على حملة الجزائر بمطالبتها بالاعتذار عن قرن واثنتين وثلاثين سنة من الاستيطان (1830 - 1962) . لذلك، تمثل المبادرة الايطالية خطوةً جريئةً في سياق الدعوات الرامية إلى رد الاعتبار للبلاد المستَعمَرَةِ ، وإعادة بناء علاقات موسومة بقدر من التكافؤ والاعتراف المتبادل. غير أن الأمر لا يتوقف عند دلالة الاعتراف وتقديم الاعتذار عن ماضي الانتهاكات الاستعمارية الجسيمة، بل يتجاوزه إلى فتح باب التعويض عن أضراره المادية والمعنوية. ففي الحالة الليبية فقط كانت كلفة الاستعمار الايطالي كبيرة وغير قابلة للتقدير في حق شعب سُلبَت أرضُه ، وشُرِّد الآلاف من مواطنيه، وأقتُلِِعوا من ديارهم، ونُفوا من قراهم ومداشرهم، ووقع التنكيل بهم فرادى وجماعات، في وقت كان وعيُ أوروبا مدافعاً بغير حق عن «الحق في الاستعمار»، ألم تنهض العقيدة الاستعمارية على مقولة «التمدين» وإسعاف المجتمعات غير المتحضرة في اللحاق بركب المدنيات الأوروبية، كما كان الحال في بلاد المغرب؟، أو في أحسن الأحوال الدخول تحت عباءة الدفاع عن الأقليات المسيحية والحدِّ من مظالم الخلافة العثمانية كما حصل في دول المشرق العربي.. إنها لعبةُ جزء هام من الوعي الغربي مع سيرورة انتقال الرأسمالية إلى الطور الاستعماري.

ومن زاوية ثالثة، تكمن دلالةُ الاعتذار الإيطالي تجاه ليبيا في كونه سيُحفز دولاً أخرى على إبقاء ملف المطالبة بالاعتذار مفتوحاً. ففي حالة الجزائر، وهي الأنموذج الأكثر مأساويةً في تاريخ الاستعمار، لم تكن الكُلفة منحصرةَ في عمليات التشريد، والتنكيل، والاستغلال البشع في وسائله ونتائجه، بل تجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأخطر بالنسبة لمصير البلاد والعباد، وليس خطأً أن أرجعت كتابات كثيرة بعض جوانب العنف المستدام في الجزائر منذ مستهل تسعينيات القرن الماضي إلى آثار الاستعمار على بنية الدولة ونسيج المجتمع. فحتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر لم تمتلك فرنسا نظرية أو سياسة محددة في الاستعمار، بل حولت الجزائر إلى مختبر للتجريب، بشهادة قادتها المدنيين والعسكريين، وككل عملية تجريب حَصَدت الأخضرَ واليابسَ ولم تترك شيئاً إلا وقوَّضَته من أساسه. فهكذا، كسَّرت كل الوسائط الممكنة بين الدولة والمجتمع، من زوايا، ومشايخ وأعيان، وقبائل، كما أوقفت حظوظَ النمو الطبيعي لمؤسسات الدولة، لتُرتِّبَ في أعقاب ذلك واقعاً نوعياً جديداً قوامُه إضعاف مفهوم الدولة في الوعي الجمعي العام، أو في أحسن الأحوال تعميق الهوة بينها وبين المجتمع.

يحق للجزائريين، إسوةً بأشقائهم في ليبيا، أن يطالبوا فرنسا بالاعتذار لهم عن ماضيها الأليم والمحزن في ربوع بلادهم، بل من واجبهم المطالبة بجبر الضرر والتعويض عن الانتهاكات الجسيمة التي طالت حياتهَم على امتداد أكثر من قرن وثلاثين سنة، كانت حصيلتُها البشرية مليوناً ونصف المليون شهيد، ناهيك عن المعطوبين، والمفقودين، والذين تركهُم ليلُ الاستعمار الطويل في عِداد الموتى الأحياء. ففي مذكرات الحاكم العسكري « بيجو» (1784 - 1849) مقاطع دالة عن درجة العنف الذي طال الجزائر وألمَ َّ بأبنائها، والوصف نفسه ضمَّنه مساعده « سانت أرنو» في مذكراته عن الحرب في الجزائر، حين قال«لقد كانت حملتنا تدميراً منظماً أكثر منها عملاً عسكرياً..ونحن اليوم في وسط جبال مليانة لا نطلق إلا قليلاً من الرصاص، وإنما نمضي وقتنا في حرق جميع القرى والأكواخ، وأن العدو يمر أمامنا سائقاً قطعان غنمه» ، ثم يضيف «آه أيتها الحرب كم من نساء وأطفال اعتصموا بجبال الأطلس المغطاة بالثلج فماتوا هناك من الجوع والبرد..».

ربما يكون التاريخ قد مَكَرَ بالاستعمار فأجبرَ طغاتََه على الاعتراف بأخطائهم والاعتذار لمن إكتَووا بنيرانه، لكن هل يكفي المكرُ وحدَه لطَيِّ صفحة الماضي وفتح أفق جديد تكون الصدارة فيه للاحترام المتبادل، والندِّية، والتكافؤ في ميزان المصالح؟.إن ذلك مما يستلزمُه منطقُ الأشياء، وإلا لا معنى للاعتذار أصلاً، بيد أن واقعاً من هذا القبيل لا يصنعُه المعتذِرُ وحده، بل تتحكم في تحققه إرادةُ المعتذَر له، فهو الجدير بأن يجعل من ردِّ الاعتبار عبر الاعتذار منطلقاً لمستقبل جديد في علاقته بالمستعمِر. ففي حالتي ليبيا والجزائر قد يُتخوَّفُ من أن يُستثمَرسياسياً حدثُ انتزاع الاعتذار عن ماضي الاستعمار، ويوظف من أجل إعادة بناء شرعية النظام وإيقاف تآكل مصادرها، ذلك أن الاستطراد في استحضار الاستعمار وآثاره، والاكثار من استعادة التاريخ والاستثمار في موروثه، قد يصنع خطاباً مُضلِّلاً لحقائق الواقع كما هي في الدولة والمجتمع. صحيح أن الاستعمار كان مقيتاً ومفسِداً للبلاد والعباد، لكن ألم تكن النظم هي الأخرى غير بعيدة عن مكامن الظلم ومظان الفساد؟ . إنه لحدث عظيم أن يعتذر «برلوسكوني» ، باسم دولته، عن ماضي الاستعمار في ليبيا، ولربما سيتكرر الشيء نفسه في الجزائر، لكن الأعظم أن تصوغ النظم السياسية عقداً اجتماعياً جديداً مع مجتمعاتها، تكون القَوامَةُ فيه لمبادئ الحرية، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة الكاملة.

كاتب من المغرب

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.