السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

متهمون خارج قفص الاتهام



الاثنين, 8 سبتمبر 2008
منتصر الزيات

حاجة تحيّر.. منذ أكثر من عامين وفور انتهاء التحقيقات في قضية غرق العبارة السلام 98 والنيابة العامة حددت لنا هدفا نناوشه ونصب عليه جام غضبنا، أعني المجتمع كله وليس أهالي وأسر الضحايا أو دفاعهم فقط وهو ممدوح إسماعيل رئيس شركة السلام للنقل البحري ومالك العبارة، باعتبار أنه نكل عن إنقاذ الضحايا وضلل الجهات المسؤولة، ولم يخطرهم بغرق العبارة في الوقت المناسب!! وسكتت النيابة عن اتهامات أخرى كثيرة ولم تحققها أصلا، وأصبح ممدوح إسماعيل وولده كما قلت في مرمى النيران واللعنات وحدهم!! طبعا تمكن الأخير من الاستفادة من هذا المناخ الذي كان يجري إعداده وأدلى بأقواله أمام النيابة العامة على سبيل الاستدلال وبقي قرابة أربعين يوما يرتب أوراقه حتى غادر مصر ثم صدر بعد ذلك قرار الاتهام إياه.

وجاء حكم محكمة أول درجة ليكشف عن حقيقة بشعة كشفها ولم ينشئها لأنها كانت أمامي منذ أول يوم، ومؤكد أنها كانت أمام كثيرين أن ممدوح إسماعيل لم يتأخر في إبلاغ أحد أو بمعنى أكثر دقة هذا الاتهام الذي ساقته النيابة بأنه تعمد إخفاء وحجب المعلومات التي تتعلق بغرق العبارة عن الجهات المسئولة لأكثر من 16 ساعة كاملة، وأنه عندما أبلغ كان مضللا لأنه أبلغ عن فقد العبارة في مكان غير صحيح!!

هذا الاتهام غير صحيح لسبب بسيط أنه تم إبلاغ كافة الجهات المسؤولة في الدولة منذ غرق العبارة السلام 98 في حينه، وتحدث الحكم وأوراق الدعوى عن جهتين على سبيل الحصر هما مركز البحث والإنقاذ التابع للقوات المسلحة والهيئة العامة للملاحة الجوية التابعة لوزارة الطيران!! وهناك تفصيلات كثيرة تتحدث عن طرق الإخطار التلقائي التي جرت بواسطة سفن وأجهزة وأدوات نقلت ذلك كله للمسئولين الكبار، وهنا مربط الفرس!!

لقد أدرك كاتب هذه السطور ما جرى في وقت مبكر وأعلنت عنه في مقابلات متلفزة ومقال نشرته آنذاك هنا في هذا المكان مفاده أن متهمين حقيقيين آخرين خارج قفص الاتهام، وقتها كان الحدث جللا، لم يتقبل الناس مثل هذا الكلام وفسره البعض وسط أجواء تآمرية بمنطق وفلسفة نظرية الاتهام وسكت حتى جاء الحكم ويبدو أننا كنا فعلا في صدمة عاطفية جعلتنا لم نقبل فكرة براءة المتهمين أو هدر دماء وأرواح الغرقى الذين قضوا في الحادث، بينما كل الأصابع تشير إلى دور النائب العام السابق ماهر عبدالواحد في صياغة مجريات الأحداث وفق ما تضمنته الأوراق بصورة قاصرة ليبقى ممدوح إسماعيل هدفا متاحا وفي النهاية تتم تبرئته أيضا والمهم طبعا إخفاء المسؤولين الحقيقيين الذين اخفقوا أو تخلفوا عن قفص الاتهام والذين نكلوا فعلا عن نجدة الغرقى.

ليس لدى أدنى مشكلة أن أعتذر للقاضي الذي أصدر الحكم عن أي نقد وجهته إليه لو أنه استمر للنهاية وكشف عن المسؤولين الكبار الذين أشار إليهم إشارة عابرة في الحكم، فهل نحن في زمن إذا سرق الضعيف أقمنا عليه الحد وإذا سرق الشريف تركناه ولو على حساب 1034 مواطنا مصريا وأكثر من ثلاثمئة مفقود ليسوا بين الأحياء فنعرفهم ولا بين الأموات فنترحم عليهم!! نحن في حاجة إلى الحفاظ على هيبة القضاء باقية في المجتمع لأنه إذا فقد القضاء هيبته سوف يختل التوازن في المجتمع، والحقيقة أن قدرا كبيرا من الصدمة إثر صدور الحكم كان عاطفيا لهول الفاجعة قبل أن نقرأ أسباب الحكم، وأذكر أننا عندما كنا نحاكم في قضية الجهاد الكبرى إثر اغتيال السادات عام 81 وانتهت محكمة أمن الدولة العليا في حكمها إلى أنه ثبت لديها أن تعذيبا وقع على المتهمين أفقدهم الإرادة الحرة وطالب الحكم في أسبابه النيابة العامة بالتحقيق في وقائع التعذيب وفعلا قامت النيابة بما طلبه الحكم وأصدرت قرار اتهام لعدد 44 ضابطا كبيرا في وزارة الداخلية تمت محاكمتهم أمام محكمة الجنايات، هكذا كنا نريد من قاضي أول درجة أن يشير في حكمه للمسؤولين الكبار أو المتهمين الكبار الذين خلا منهم قفص الاتهام.

لست أرمي بالطبع إلى تبرئة ممدوح إسماعيل أو أي من المتهمين أو أؤكد الحكم الذي صدر بحقهم فهذا ليس دوري ولا من المهام التي أقوم بها فمحكمة الاستئناف بدأت في نظر القضية من جديد وفي انتظار ما تسفر عنه، لكني أمثل الضحايا وكمواطن مصري بعيدا عن أي دور قانوني نريد أن نحاكم أي مسؤول كبير أو صغير يثبت استهانته بأرواح الغرقى الذين صارعوا الموت قرابة 17 ساعة ومنهم من أكلته أسماك القرش ومنهم من غرق ومنهم من عاد سالما.

المفاجأة التي وقعت في أول جلسة لنظر الاستئناف هي تقديم النيابة العامة لملفات تحقيق أكثر من 22 بلاغا عن فقد مواطنين كانوا على ظهر العبارة السلام 98 ثم غمض مصيرهم لا هم بين الأموات ولا هم بين الأحياء بل قال بعض ذويهم إنهم اتصلوا بهم وطمأنوهم على سلامتهم ثم غابوا مرة أخرى!! المشكلة أن النيابة العامة كانت قد حققت هذه البلاغات وأصدرت قرارا بحفظها!! ثم هي تعيدها مرة أخرى، لست أريد أن أستبق التحقيقات مرة أخرى فأتهم من جديد سأنتظر وإنا لمنتظرون.

كاتب من مصر

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.