نفط «الاسكا».. وقود الحرب الجديدة؟
يشهد العالم حالياً أزمة نفط كبيرة، فقد وصلت أسعار النفط الى أرقام قياسية، ما يسلط الضوء على منتجي النفط الأساسيين في العالم، خصوصاً دول الخليج العربي، اذ تنتج دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 20 % من الاستهلاك العالمي. وفي الولايات المتحدة الأميركية يبرز جدال حول ضرورة استخدام جزء من مخزونها الإستراتيجي من البترول وضخ جزء منه في الأسواق العالمية بهدف تخفيض الأسعار، بحسب وجهة نظر المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية باراك اوباما، مقابل اصوات تنادي بالتخفيف من الاعتماد الأميركي على النفط العربي والبحث عن مصادر جديدة للبترول.
في هذا السياق، تدخل أزمة النفط والطاقة، السباق الرئاسي الأميركي بين المرشحين باراك اوباما والمرشح الجمهوري جون ماكاين، والتحدي يكمن في البحث عن حل لارتفاع اسعار النفط والتنقيب عن حقول جديدة للبترول. هنا تبرز آلاسكا كحقل اميركي جديد يمكن استثماره والاستفادة من احتياطه النفطي الكبير.
لقد وصل انتاج النفط الخام في الولايات المتحدة الى ادنى المستويات في العام 1949، لكن لم يكن هذا الانخفاض شديداً كما هو الحال في آلاسكا، حيث بلغ انتاج النفط اقل من نصف الإنتاج في العقد الماضي. وقد بدأت الحقول التي أمّنت منذ اواخر السبعينيات من القرن الماضي اكثر من عشرين بالمئة من النفط الأميركي بالنضوب شيئاً فشيئاً. وتحاول شركات النفط الخمس الكبرى في العالم، ان تعوّض82 % من النفط الذي يتم ضخه كل عام في ظل نضوب الحقول الغنية بالنفط ومحاولة بلدان مثل فنزويلا وروسيا تعزيز سيطرتها على النفط اكثر من اي وقتٍ مضى.
تحوي آلاسكا مجموعة احتياطات نفطية لم تشهدها المنطقة منذ الطفرة النفطية التي حصلت منذ اكثر من ثلاثة عقود.
وتعتبر شركة «مونوكو فيليبس» اكبر منتج للنفط في الاسكا وثالث اكبر شركة نفط في الولايات المتحدة الأميركية، وهي تنفق مبالغ طائلة بهدف اعادة اكتشاف الحقول الهامة مثل «المنحدر الشمالي». كما تستثمر الشركة في «تكنولوجيا الطاقة» وفي التحضيرات لبناء خط انابيب للغاز الطبيعي بكلفة مليار دولار.
وقد سيطرت روسيا على حوالي ميلين ونصف تحت سطح البحر من القطب الشمالي بهدف السيطرة على الكميات الهائلة من النفط والغاز الطبيعي الموجودة فيه. ويقدر الخبراء ان اكثر من ربع مصادر الطاقة غير المكتشفة في العالم تقبع في أقصى الكرة الأرضية الشمالي.
وفي ضوء ذلك، أكدت الإدارة الأميركية انها ستعطي حق استكشاف النفط والغاز في المنطقة الشمالية الغربية من الاسكا. ولكن مناصري البيئة تخوفوا من هذا القرار الذي من شأنه ان يهدد الثروة الحيوانية في المنطقة وأبرزها حياة الدب القطبي.
ويُعتقد ان القطاعات الاميركية من بحر تشوكشي تحوي 15 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج، وما يفوق تريليونين متر مكعب من الغاز الطبيعي. الا ان السلطات الاميركية لم تطرح مزادا للتنقيب في البحر منذ عام 1991، بسبب الصعوبات والتكلفة العالية للاستخراج من الجرف القطبي والمخاوف البيئية. وتقول الهيئة انه لن يسمح بالتنقيب الا على مسافة أبعد من 80 كيلومترا من الشاطئ، للحفاظ على التوازن بين تطوير المنطقة وحماية الشواطئ. الا ان خبراء البيئة يقولون ان الاستكشافات قد تؤثر بشدة على الحياة البحرية في المنطقة.
وقد اشارت تقديرات جديدة للوكالة الحكومية الأميركية للأبحاث الجيولوجية، الى ان المنطقة القطبية الشمالية تحتوي على احتياطات نفطية غير مستغلة تقدر بنحو 90 بليون برميل من النفط بالاضافة الى كمية اكبر من الغاز.
وهذه المنطقة التي يحدها القطب الشمالي تشمل دولاً مثل روسيا والولايات المتحدة وكندا والسويد والنروج، وتحتوي على 90 بليون برميل من النفط و1670 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي و44 مليون برميل من الغاز الطبيعي المسال. وينبغي ان يتم استغلال 84 في المئة من هذه الكمية من الطاقة في البحر.
وبذلك، تمثل ثروات المنطقة القطبية الشمالية في مجال الطاقة ما نسبتة 13 % من النفط غير المكتشف و30 في المئة من الغاز الطبيعي غير المكتشف و20 في المئة من الغاز الطبيعي السائل غير المكتشف.
ويتركز 30 بليون برميل من اصل التسعين بليون برميل من النفط في المنطقة القطبية الشمالية في مقاطعة الاسكا بينما يتوزع الباقي في احواض بارنتس (روسيا) وغرب غرونلاند وشرق كندا.
وقد تم حتى الآن اكتشاف نحو 40 بليون برميل من النفط و1100 بليون قدم مكعبة من الغاز في المنطقة القطبية الشمالية.
ويمثل الغاز الطبيعي الذي تحتويه المنطقة القطبية الشمالية، (1670 مليار قدم مكعبة) نحو ثلث حجم الغاز العالمي «غير المكتشف». يشار الى ان حوض غرب سيبيريا واحواض بارنتس في روسيا هي التي تحتوي على الكمية الاكبر من الغاز في المنطقة القطبية الشمالية.
وتجدر الإشارة الى ان رومان ابراموفيتش، وهو حاكم إقليم تشوكوتكا الروسي- دشن مشروع إنشاء خط حديدي تحت مضيق بيرينغ الذي يربط تشوكوتكا بالاسكا.
وتقول التقارير ان ابراموفيتش يعتزم شراء ولاية الاسكا بقصد ضمها إلى الأراضي الروسية. أما الخط الحديدي المشار إليه، فهو مطلوب لنقل النفط من الاسكا إلى روسيا.
وتجدر الإشارة إلى أن ألاسكا كانت إقليما روسيا قبل نهاية القرن التاسع عشر حين باعتها الحكومة الروسية إلى الولايات المتحدة.
هذه التقديرات الجديدة لأهمية النفط في القطب الشمالي من شأنها ان تظهر خارطة مناطق النزاع المحتملة والتي يمكن ان تسبب مشاكل حدودية مستقبلية بين الدول المحيطة بها وابرزها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. فبعد النزاع الجاري حالياً بين روسيا وجورجيا، يؤكد المراقبون ان واشنطن كانت تسعى لوضع جورجيا تحت المظلة الأطلسية لأسباب سياسية واستراتيجية ابرزها تحذير روسيا من تهديد تبليسي وتسهيل وضع الدروع الصاروخية في بولندا. وقد أدى هذا الصراع الى اختبار قوة «الدب الروسي» الذي أعاد الاعتبار نفسه في «معركة جورجيا»، خاصة بما ان روسيا تتحكم بنفط القوقاز وتحاول وضع خط أنابيب نقل البترول المعروف بخط باكو تبليسي جيهان الذي يمر بجورجيا تحت سيطرتها (كون جورجيا تقع في منطقة تعرف بممر الطاقة الجنوبي لروسيا، الذي يربط منطقة بحر قزوين بالأسواق العالمية من دون المرور بالأراضي الروسية). في المقابل، تسعى الولايات المتحدة الأميركية الى وضع جورجيا تحت لوائها والتحكم بخط باكو- جيهان- تبليسي رغم انه تم اكتشاف حقول جديدة من النفط مؤخراً في كل من السعودية والعراق الا ان الولايات المتحدة تتخوف من ان يؤثر الوضع المضطرب في الشرق الأوسط على مصالحها الإقتصادية والإستراتيجية لذلك تحاول السيطرة على منابع النفط الأخرى وخاصة الموجودة في آسيا الوسطى والقوقاز والتي تقع ضمن النفوذ الروسي. فهل ستشكل آلاسكا منطقة صراع جديدة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لتكمل الحرب الباردة فصولها من جديد؟ وهل ستعثر شركات النفط العملاقة على نفط القارة الشمالية، ما يعوّض عن النفط الخليجي والسعودي والعراقي بشكل خاص ويلغي الاعتماد العالمي عليه؟
كاتب من لبنان





أضف تعليقك