الدراما.. وتشويه التاريخ
ساهمت الدراما في عالمنا العربي بنشر ثقافة فكرية خاطئة، وللأسف سادت هذه الافكار بين مجتمعاتنا وعلى جميع مستوياتها الطبقية أو الفكرية ومن ذلك العبارة الشائعة في المسلسلات المصرية «القانون لا يحمي المغفلين» فهذه العبارة خاطئة وغير صائبة إذ إن القانون وجد لحماية الضعيف والمغفل، فلولا وجود القانون لسلبت الحقوق وانتهكت الاعراف ومع تسبب تلك العبارة باستهداف فكري اصاب شريحة كبيرة من سكان عالمنا العربي خاصة الطبقة الفقيرة التي بالكاد تحيا، فهذه الشريحة ذات قناعة فكرية بانها مسحوقة مغفلة لا تقوى على التصدي أو الوقوف أمام النصابين، فهذه المسلسلات قد الحقت اضراراً مادية بالآخرين فلم يقتصر ضررها على السلوك الاجتماعي فكثير من العبارات الخاطئة ذات المضمون الفكري الخاطئ هي وليدة دراما تلفزيونية، اذ ان شعوب البلاد العربية شعوب يغلب عليها جانب الرغبة في الاطلاع التلفزيوني اكثر من رغبتها للاطلاع المقروء، وعلى نفس الوتيرة للثقافة الخاطئة تسببت الدراما في بخس التاريخ وفي ظلم لكثير من شخصياته، ففي كل عام يطل علينا شهر المحبة والخير شهر رمضان، فتمطرنا القنوات التلفزيونية بالعديد من المسلسلات العربية البعض منها جميل وهادف الى مسالك طريق الرقي بالمستوى الفكري، اذ يحمل رسالة مشعة بالتوعية والاصلاح، أما البعض الآخر فهو عكس ذلك حتى لا يستحق ان نتحدث عنه.
إن ما يلفت الانتباه هذه الايام، وفي كل رمضان، هو تقديم القنوات التلفزيونية لمسلسلات تاريخية تتحدث عن شخصيات لها بصمتها التاريخية او مسلسلات تجسد ادوارا لشخصيات شهيرة، إلا أن ما رسخ في الاذهان هو التجسيد للمواقف والشخصيات التاريخية بشكل مغاير للحقيقة فعلى سبيل المثال اعتدنا ان نرى شخصية الخليفة العباسي هارون الرشيد بصورة الخليفة صاحب ملذات الحياة ومالك الجواري وغير ذلك من صور الرفاهية المرتبطة بشخصه حتى بات مثلا يقتدى به عند التشبيه على الرغم من أن الحقيقة غير ذلك تماما، فلقد كان الخليفة هارون الرشيد في حقيقته خليفة ضعيفا غير قادر على التخلص من سطوة البرامكة الذين استفحلت قدراتهم العسكرية والسياسية داخل سدة الحكم، فعاش حياته بمؤامرات وتكتيكات سياسية متبادلة وبين قادة البرامكة استنفذت اكثر فترات حكمه حتى استطاع التغلب عليهم.
لذا الى جانب تجسيد بعض المسلسلات التاريخية لشخصيات اسطورية وتصويرها علي انها شخصيات بطولية كأبو العباس السفاح وأخيه أبو جعفر المنصور فهذه الشخصيات ما كان لها أن تدخل التاريخ لولا بطولات قام بها اشخاص آخرون كأبو مسلم الخرساني وأبو سلمة الخلال، وذلك لأن التاريخ يذكر الشخص الذي يسود ويمحي من ذكراه من ينسى أو يواريه الثرى فشخصية صقر قريش مثلا -عبدالرحمن الداخل- ما كان لها أن تبقى أو تعيش لولا عبده المخلص الذي استبسل في الدفاع عنه حتى أوصله الى طريق النجاح فحكم الاندلس وأنشأ خلافة الامويين بها، لكن التاريخ لا يذكر في كتبه أو مسلسلاته المسجلة له سوى عبارة واحدة ظلمت موقفا وهضمت حقوقا وعبرت باختصار عن مشوار الخادم المخلص بثلاث كلمات هي «واصطحب معه خادمه بدر» وكأن التاريخ وثقافته مرتبطان بشخص الحاكم فقط دون أن تجسد اسباب الوصول الى سدة الحكم.
وإذا كانت الدراما قد تناولت التاريخ والبسته ثوبا مغايراً للحقيقة، فإن ذات الثوب لم تسقطه عن الشخصيات الشهيرة المواكبة للعصر الحديث، فكثيراً ما ظلمت الدراما اسر الحكم لبعض الدول العربية خاصة تلك الاسر التي اسقطت في الخمسينيات من القرن الماضي على يد الانقلابيين كالعائلة المالكة في العراق أو مصر، فقد دأب ضباط الانقلاب على تشويه صورة الحكام واسرهم من خلال وسائل الاعلام وعلى الاخص الاعلام المرئي





أضف تعليقك