التجربه الفنلندية في التنمية
أرسل إلي صديق عزيز منذ بعض الوقت تقريرا ممتازا وضعه معهد البنك الدولي قبل ثلاث سنوات عن تجربة فنلندا في التنمية. وفنلندا جمهورية تقع في شمال أوروبا، تجاورها السويد من الغرب وروسيا من الشرق والنرويج من الشمال وإستونيا من الجنوب عبر خليج فنلندا. ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسة ملايين ونصف مليون نسمة يقيم مليون أو أكثر بقليل منهم في العاصمة هيلسنكي. وكانت فنلندا تاريخيا جزءا من السويد حتى العام 1809 عندما ضمت إلى الامبراطورية الروسية كدوقية كبرى ذات حكم ذاتي. ثم أعلنت استقلالها في العام 1917 بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا، ولكنها دخلت بعد ذلك في مرحلة من الحرب الأهلية بين العناصر المؤيدة لروسيا وتلك المناصرة لألمانيا. وشاب علاقتها مع الاتحاد السوفييتي توتر واضطراب، ولم يكن الوضع مع ألمانيا أفضل من ذلك، مما أدى إلى سعيها لعلاقات أوثق مع أوروبا الغربية بصورة عامة والسويد بشكل خاص.
والتقرير الذي أشرت إليه في البداية، يقع في مئة وعشر صفحات بعنوان «فنلندا– اقتصاد معرفة – عناصر النجاح والدروس المستفادة» أو « Finland as a Knowledge Economy–Elements of Success and Lessons Learned» وهو يركز على أهمية اعتماد نظام تعليمي مستند إلى مناهج وأساليب تعليمية وتدريبية ثورية حديثة تتوافق بصورة أكيدة مع الاحتياجات الفعلية لتنمية اقتصادية واجتماعية قائمة على العلوم والتكنولوجيا، بدلا من النظم التعليمية التقليدية التي كانت سائدة.
يقول التقرير إن فنلندا شهدت ركودا اقتصاديا حادا في السنوات الأولى من عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث ارتفعت معدلات البطالة من 2 % إلى أكثر من 15 %، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10 %. وقد كان ذلك الوضع الاقتصادي المتدهور دافعا إلى التفكير بجدية لرسم سياسات جديدة للخروج من المأزق. وفعلا تمكنت هذه الدولة الأوربية الصغيرة الهامشية من التحول –خلال عقد واحد من الزمن فقط– إلى أبرز الدول التي يعتمد اقتصادها على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى العالم، وتبوأت لثلاث مرات متتالية المرتبة الأولى على مقياس التنافسيةCompetitiveness Index المعتمد من المنتدى الاقتصادي الدولي. كما أنها بلغت مستويات عالية في برامج اكتساب المهارات والتحصيل العلمي لمنظمة التنمية والتعاونOECD.
لا يسمح المجال للدخول في تفاصيل التجربة الفنلندية وإنجازاتها الرائعة، ولكني أكتفي بالإشارة إلى أنه من الممكن لدولة هامشية صغيرة مثل فنلندا (أو الكويت!) أن تتحول من دولة يعتمد اقتصادها بالدرجة الأولى على الموارد الطبيعية (الغابات والأخشاب وصناعة الورق في حالة فنلندا، والنفط الخام والصناعات المرتبطة به في حالة الكويت)، إلى دولة يعتمد اقتصادها على المعرفة والتكنولوجيا. ولكن الأمر يعتمد على المبادرة الواعية وبعد النظر والخروج عن المألوف. لقد أصبحت المعرفة واحدة من القوى الأساسية المحركة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو في الدول النامية. فاقتصاد المعرفةKNOWLEDGE ECONOMY مسنودا بالتقدم السريع المضطرد في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من شأنه أن يتيح مجالات أوسع لزيادة الإنتاجية والتنافسية مما يحقق مستقبلا اقتصاديا مستقرا ومستديما.
لقد ساهمت السياسات الصناعية والتحديثية التي اعتمدتها فنلندا منذ أوائل العقد الأخير من القرن الماضي في دعم كثير من الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة والتكنولوجيا للشركات والتجمعات الصناعية، وكان من أهم السياسات في هذا المجال زيادة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير حتى بلغ 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي. (ترى أين نحن في العالم العربي عموما وفي الكويت بصورة خاصة فيما نخصصه من أموال لدعم البحث العلمي والتطوير؟ أستطيع أن أقول – بالنسبة للكويت – بكل ثقة واطمئنان إننا ننفق لاشيء% من دخلنا القومي على البحث العلمي! والطامة الكبرى أن هذا اللاشيء% ربما يكون المعدل الأعلى بين الدول العربية!!). ركزت فنلندا جهودها في تطوير الاتصالات التكنولوجية، وربما في صناعة الهواتف النقالة او المحمولة كما تسمى في مصر، وتعتبر نوكيا (NOKIA) رمزا لنجاح فنلندا في هذا المجال حتى اصبح البعض يطلق عليها اسم دولة نوكيا.
لا أسوق هذا الحديث لتمجيد فنلندا والإشادة بها (ولو أنها تستحق التمجيد والإشادة)، وإنما أريد به فتح باب الحوار حول المستقبل الاقتصادي والاجتماعي في الكويت ودول الخليج في مرحلة ما بعد النفط. قد يرى البعض –مطمئنا – أن هذه مرحلة لا تزال بعيدة عنا، ولكن سواء كان ذلك بعيدا أو قريبا، فإن من الحكمة والحصافة أن نضع ذلك المستقبل المجهول في اعتبارنا من الآن، لكي لا تفاجأ الأجيال القادمة بوضع سيئ جدا ساهمنا نحن في خلقه لهم، أو على الأقل غفلنا عن السعي لدرئه عنهم في الوقت المناسب. ربما تتباين آراؤنا واجتهاداتنا في شأن المستقبل، إلا أن نقطة البدء –في نظري– هي إعادة النظر بجدية واهتمام بنظمنا التعليمية في مراحلها المختلفة، بدءا برياض الأطفال وانتهاء بالتعليم العالي. مطلوب منا أن نعيد النظر في مناهج وأساليب التعليم، وفي مستوى وكفاءة المعلمين، وفي المدد الأوفق لكل مرحلة تعليمية، وفي نوعية المباني التي نبني بها مدارسنا ومراكزنا العلمية وتوزيعها وتجهيزاتها، وفي العلاقة بين البيت والمدرسة وبين المدرسة والمجتمع . قبل ذلك أريد أن أنادي بصوت عال لعله يصل إلى كل من بيده الأمر: فلنوجه فورا ومن الآن جانبا كبيرا وكبيرا جدا من الفوائض المالية التي تيسرت لنا حتى الآن إلى البحث العلمي في الكويت، ولنجعل بعد ذلك نسبة عالية من إيراداتنا السنوية مخصصة لتطوير البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، على أسس مدروسة وخطط مستقبلية متفق عليها وملتزم بها. ولنستفد من التجربة الفنلندية في التنمية.
كاتب كويتي





أضف تعليقك