السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

جرائم الشرف في سورية بين الإرث الاجتماعي وقصور التشريع



الجمعة, 1 فبراير 2008
دمشق - عاصم جمول

كثيرا ما يُظلم الواقع حين يدور الحديث عن العادات والتقاليد المتوارثة في مجتمعاتنا الشرقية، وغالبا ما تُذكر العادات الحسنة والجميلة ويتم تمجيدها وتناقل مآثرها بين الناس، ويغض الطرف عن العادات الأخرى التي تعتبر وصمة عار على جبين تلك المجتمعات، ومن هذه التقاليد المسيئة جرائم ترتكب بحق النساء أمام أنظار المجتمع الذي يهلل ويصفق لمرتكبيها تحت ذريعة الشرف.

فتيات تزهق أرواحهن لمجرد الشك أحيانا، وأحيانا أخرى بسبب ممارستهن لحريتهن الشخصية التي سمح بها القانون، أو بسبب زواجهن من شباب ينتمون إلى طائفة غير التي ينتمين إليها، والقاتل غالبا هو أخ يشعر بالعار فيقرر أن يغسله بالدم، أو أب خشي من نظرة المجتمع له بعد أن تزوجت ابنته الشخص الذي تحب دون موافقته فقرر أن يجعلها عبرة لشقيقاتها والعبرة في هذه الحالات تكون حمراء قانية... نعم هذا يحدث حقا.. يحدث بشكل كبير في سورية وغيرها من بلدان المنطقة، ويحدث تحت غطاء قانوني واضح، فالمادة (548)من قانون العقوبات السوري تخفف العقوبة بشكل كبير عن القاتل في جريمة الشرف حتى أنه أحيانا لا يسجن سوى بضعة أشهر.

قسم كبير من المجتمع السوري بات يضيق ذرعا بهذه الجرائم وبدأت صرخات تلك الضحايا تقض مضجعه فقررت بعض الجهات المدنية أن تصرخ بملء صوتها (لا) لجرائم الشرف.

هدى أبو عسلي «فتاة قتلت على يد أخيها في محافظة السويداء السورية» كانت الشعلة الأولى التي أطلقت تلك الصرخة والتي حملها مرصد نساء سورية بهدف إيصالها إلى مسامع جميع السوريين «مواطنين ومسؤولين» ولكن هدى لم تكن الوحيدة أبدا فهنالك كثير من الفتيات اللواتي ذبحن بسكين الشرف في مختلف المحافظات السورية .

مرصد نساء سورية «وهو الأول من نوعه في سورية كمرصد يهتم بشؤون المرأة ويناصر قضاياها» أطلق منذ ما يقارب العامين حملته الوطنية لإيقاف جرائم الشرف وكانت الحملة تحت شعار «أوقفوا جرائم الشرف... أوقفوا قتل النساء» والحملة كانت تطالب بإلغاء المادة (548) بالإضافة إلى مواد أخرى تبرئ أو تخفف الحكم عن القاتل في جريمة الشرف.

الحملة حققت انتشارا لا يستهان به في الأوساط الشعبية وبعض الأوساط الرسمية والدينية، وجمعت آلاف التواقيع لأشخاص يناهضون هذه الجرائم ويناصرون حقوق المرأة وقدمت على ست نسخ إلى مجلس الشعب السوري ومجلس الوزراء ورئيس الجمهورية وجهات أخرى كوزارة العدل ونقابة المحامين ووسائل الإعلام.

مرصد سورية

مدير مرصد نساء سورية الأستاذ بسام القاضي يتحدث لـ«أوان» فيما يتعلق بالحملة الوطنية والمرأة السورية بشكل عام. القاضي يعتبر أن هنالك موقفا معاديا من قبل أغلب أعضاء الحكومة السورية لكل قضايا المرأة أو التغيير في قضايا المرأة، ويرى أن العمل المجتمعي يمر حالياً بفترات عصيبة بسبب التضييق والعراقيل التي تضعها الجهات المعنية إذ يقول:

منذ فترة أطلقت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل تصريحين مثيرين، فقد قالت إن عدد النساء المقتولات والذي يتراوح بين 200 و300 امرأة سنويا هو رقم لا يشكل ظاهرة أمام ملايين النساء السوريةت وهذا يدل فعلا على نظرة ليس لها علاقة أبدا باحترام الإنسان بل هي معادية لحقوق الإنسان، فهل تحتاج إلى قتل نصف مليون أو مليون امرأة حتى تشكل ظاهرة بالنسبة للسيدة الوزيرة ؟! والتصريح الثاني هو التصريح الذي أطلقته في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة للعام 2007 فقد قالت إننا في سورية يجب ألا نحتفل باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة لأنه أصلا لا يوجد لدينا عنف ضد المرأة، ولكننا إذا احتفلنا فنحن نحتفل لأجل الترف الفكري، نحن في المرصد نرى أن هذه التصريحات تتجاوز إمكانية أي رجل أو امرأة في العالم على أن يصرح بها علناً، حتى في السويد لم يتجرأ أي رجل أو امرأة أو مسؤول على القول إنه يحتفل باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة فقط من باب الترف، هنالك موقف معاد فعلا من أغلب أعضاء الحكومة السورية حاليا لكل التغيير في قضايا المرأة أو وضع المرأة، حتى الاتحاد العام النسائي له نفس الموقف ووزارة العدل ترفض بشدة أي تغيير وهذه مشكلة حقيقية، هذه المشكلة من وجهة نظرنا كانت قائمة دائما فالحكومة السورية لم تكن يوما مناصرة لقضايا المرأة من الزاوية القانونية أو المجتمعية باستثناء فترة قصيرة في السبعينيات حيث تمت المطالبة ببند في الدستور السوري ينص على المساواة بين المرأة والرجل وكان هذا الطرح جريئا جدا ولم تتم الموافقة عليه، فالدستور السوري هو دستور ملتبس في هذه القضية لأنه يتحدث عن المواطنين بصفتهم مواطنين ومواطنات ولكن عندما يأتي الحديث عن المرأة أو عن الأسرة فمن الواضح أنه يقصد بشكل رئيسي الأسرة أي لا يصنف المرأة كمكون مستقل وبالتالي لا تكون هي واضحة من حيث التصنيف بصفتها مواطنة، لكن على وجه العموم الدستور السوري لا ينص على تمييز واضح بين الرجل والمرأة وهذا أمر مهم وإيجابي .

وحول موضوع الحملة الوطنية التي أطلقها مرصد نساء سورية ومصيرها يجيب بسام القاضي قائلا:

أين أصبحت الحملة ؟ هذا السؤال يطرح بشكل دائم وأنا اعتقد أن السؤال يطرح بناء على فهم غير دقيق لا لمشكلة جرائم الشرف ولا لآلية العمل التي نعمل من خلالها، الحملة ليس لها هدف واحد وإجرائي حتى يمكننا القول إنها حققت كذا أو كذا، هي تستهدف القضاء تماما على جرائم الشرف، هذا يعني أن هنالك مادة في القانون تحتاج إلى إزالة كاملة وهنالك مادة أخرى تحتاج إلى تعديل وهنالك أجهزة حكومية تحتاج إلى تغيير موقفها بالكامل وخاصة جهاز الشرطة وجهاز القضاء وهنالك عقلية عامة وواقع اجتماعي بحاجة إلى تغيير وفي الجانب القانوني هنالك حاجة إلى مواد جديدة.

أما حول واقع المرأة السورية يقول : نحن نرى أن واقع المرأة السورية للأسف واقع سيء ومزر. ونحن بإمكانياتنا البسيطة نقوم بإبراز ما لا يتجاوز 1 % من الوضع الحقيقي للنساء في سورية، ولو كانت لدينا إمكانيات أكبر لأظهرنا حقيقة الواقع المزري للمرأة السورية والذي لا تنفعه أبدا لا التصريحات التي تطلق من هنا وهناك ولا الإحصائيات غير الصحيحة التي تصدر عن تلك الجهة الرسمية أو تلك.

حول دعم الأمم المتحدة للمنظمات المدنية والعمل المجتمعي يقول القاضي :

في سورية لا يمكن لأي جهة أن تقدم مساندة أو مساعدة إلا عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو عن طريق جهات محددة في الدولة، وفي هذه الحالة لن تذهب الأموال إلى الجمعية المعنية ولن تنال منها هذه الجمعية إلا النذر اليسير.

ببساطة جميع الدراسات التي تنجز في سورية بالتعاون مع الأمم المتحدة تنجز بمبالغ طائلة، ولكن حقيقة ً حتى الورق الذي تطبع عليه يخجل حتى من طباعة مثله، في النهاية لا يمكن لأي جهة أو جمعية أو منظمة أن تتعامل في القضايا المالية مع الأمم المتحدة دون أن يمر ذلك على مكتب وزيرة الشؤون.

مفارقة كبيرة

مفارقة كبيرة أن يكون القانون مع القاتل ويشكل غطاء له، ومفارقة أكبر أن يكون هنالك تناقض واضح بين مواد القانون ومواد الدستور، فالدستور السوري لا ينص في أي بند من بنوده على أي تمييز بين الرجل والمرأة، ولكن المادة 548 من قانون العقوبات السوري تنص على ما يخالف بنود الدستور.

حول هذه النقطة يقول الأستاذ عبدالله علي وهو محام سوري ومدير موقع النزاهة للشؤون القانونية :

هذه حالة فريدة في القانون أن يكون جنس المجرم (ذكر أو أنثى) هو المعيار في استفادته من أحد الأعذار المحلة المنصوص عليها في القانون فإذا كان المجرم ذكراً فإنه يستفاد من العذر المحل وينجو بفعلته أما إذا كان الفاعل أنثى فإنه يحرم من هذا العذر وتنزل به أقسى العقوبات. وهذا التمييز يخالف بالتأكيد نص الدستور الذي يعتبر المواطنين (بغض النظر عن جنسهم) متساوين أمام القانون والقضاء. وهو يخالف أيضاً العلة التي يتذرع بها واضع القانون لمنح القاتل عذراً محلاً في الجرائم التي ترتكب بذريعة الحفاظ على الشرف. فإذا كانت هذه العلة هي تفاجؤ القاتل بالوضع المريب الذي وجد قريبته فيه مع رجل غريب، وطغيان مشاعر الغيرة عليه، وثورته للدفاع عن عرضه وشرفه المهتوك، فإن هذه العلة تتوافر في الرجل كما تتوافر في المرأة بل ربما تتوافر في المرأة أكثر خاصة إذا رأت زوجها مع امرأة أخرى وغيرة المرأة أشد من غيرة الرجل.

وأنا أعتقد أن القضاء السوري لعب دوراً سلبياً في تكريس هذا التمييز بين الرجل والمرأة وكان بإمكانه بسهولة أن يفسر نص المادة 548 من قانون العقوبات على نحو يلغي فيه هذا التمييز لكن يبدو أن العادات الاجتماعية الموروثة قد حالت دون ذلك.

في حالات القتل بدافع الشرف غالبا ما يكون القاتل هو الأخ أو الأب أو أحد الأقرباء من الدرجة الأولى وتكون جهة الإدعاء هنا هي الأهل، وهم بالطبع لن يرغبوا بخسارة مزدوجة « أي خسارة الابن بعد خسارة البنت أو الزوجة التي قتلت» أي أن جهة الإدعاء ستسقط وتبقى فقط الأعذار المخففة «المادة 548» فهل يا ترى يعتبر هذا قصورا في القانون السوري ؟ وهل يمكن لأي جهة أن تتخذ مكان جهة الإدعاء على القاتل غير الأهل سيما وأنه من المعروف أن الحق العام ضعيف في هذه الحالات ؟

تساؤلات

حول هذه التساؤلات يجيب الأستاذ عبدالله علي قائلا :

هذه النقطة التي تمت الإشارة إليها رغم أهميتها إلا أنها لا تشكل برأيي مشكلة قانونية لأن المشكلة الحقيقية تكمن في تناقض النصوص القانونية التي تحكم موضوع جرائم القتل بذريعة الحفاظ على الشرف.

حيث من المعروف أن ملاحقة جرائم القتل لا تتوقف على تقديم إدعاء شخصي من قبل أي جهة سواء الأهل أو غيرهم، فالنيابة العامة باعتبارها ممثلة المجتمع تقوم بتحريك الادعاء العام على القاتل وتقدمه إلى القضاء لينال جزاءه، وبالتالي سواء تقدم الأهل بادعاء شخصي أم لا فإن دعوى الحق العام تتحرك بحق القاتل.

لكن المشكلة كما قلنا هي في النصوص القانونية ذاتها والتناقض الموجود في أحكامها. فمن جهة أباح القانون السوري العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى إذا كانا راشدين وعازبين وتمت العلاقة برضاهما. والإباحة تعني أن القانون ينظر إلى هذه العلاقة وإن تمت خارج إطار الزواج على أنها غير محرمة أو مجرمة. لكنه من جهة أخرى وضع حكماً غريباً ومتناقضاً مع الإباحة السابقة وهو أن من يقدم على قتل أخته وهي تمارس ما يعتبره القانون مباحاً فإنه أي القاتل يستفيد من عذر محل أو من عذر مخفف حسب الأحوال. وهذا تناقض كبير يجب معالجته تشريعياً فكيف يعتبر القانون فعلاً ما أنه مباح ثم يتغاضى عن سفك دم من قام به ويعطي القاتل عذراً محلاً من العقاب؟؟؟ .

المادة 548

في الجهة الأخرى نجد أشخاصا يؤيدون بقاء المادة 548 من قانون العقوبات ويؤيدون قتل الفتاة التي يرون أنها أقدمت على فعل يتنافى مع الأخلاق والشريعة ويعارضون بشدة إلغاء المادة 548 فهذا هو عماد محسن «موظف» يقول : بالطبع إن رأيت أختي تمارس عملا شائنا سأقوم بغسل العار الذي جلبته لي بدمها ولا يغسل مثل هذا العار سوى الدم.

أما السيد محمد عبدالله «موظف ووالد لأربع بنات» يقول : حتى لو ألغيت المادة 548 من قانون العقوبات وحتى لو أصبح الحكم على القاتل هو الإعدام لن أتردد أبدا في غسل العار إن جلبته ابنتي لا سمح الله.

استئصال أفكار

هنادي عمران «باحثة اجتماعية مقيمة في كندا» تقول: إن مثل هذه العقلية « في إشارة إلى الرأيين السابقين» هي التي يجب التركيز عليها لاستئصال هذه الأفكار منها وهي أفكار خطرة جدا ويجب أن يفهم هؤلاء أن القتل ليس هو الحل للمشكلة، يجب العمل على تركيز الجهود باتجاه الشارع لكي تتم مخاطبة عقول الناس وإفهامهم أن القتل لن يحل المشكلة أبدا بل هو سيعقدها وأنا أرى أن الحكومة أيضا عليها أن تعمل في هذا الاتجاه وليس المنظمات الأهلية والمدنية فقط .

صراع كبير

صراع كبير يحصل في سورية بين من يحتفظون بذلك الموروث الاجتماعي الذي ينظر إلى المرأة بوصفها أداة لجلب العار ويجب الاقتصاص منها إن فكرت بالموضوع حتى، وبين جهات ترى بان المرأة هي نصف المجتمع وهي أداة أساسية للنهوض به وهي شريكة الرجل في كل اللحظات ويجب العمل على تحسين وضعها ومكانتها وإعطائها حقوقها بالكامل. بين هؤلاء وهؤلاء يكمن طرفا الحبل الذي يشد نحو هذه الجهة أوتلك في محاولة من كل جهة لكسر عظم الجهة الأخرى والقانون السوري ومن خلفه الحكومة ينتظران ذلك الطرف الذي سيقع في أية لحظة.

معدل التصويت: 4.8 (18 votes)

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.