خواطر خريف مراقي سليمان الديكان
قدم الفنان المبدع الموسيقار الدكتور سليمان غنام الديكان أمسية موسيقية رائعة بعنوان «المراقي»، مساء يوم الثلاثاء الماضي، على مسرح مركز الميدان الثقافي بدار الآثار الإسلامية. وكان الحضور كثيفا جدا. وهذا الحضور المكثف لأمسية موسيقية دليل قاطع على شغف الناس بالفنون الجميلة- ومن بينها الموسيقى- من جهة، ودليل من جهة أخرى على السمعة الراقية لدار الآثار الإسلامية بما تنظمه من مناسبات ثقافية حضارية متنوعة خلال مواسمها الثقافية السنوية. ومن المؤسف أن الكويت لا تزال متخلفة في إنشاء المراكز والمسارح الفنية التي تليق بمكانتها الحضارية المتقدمة بين الأمم، ولا نزال نفتقر إلى برامج وعروض موسيقية وغنائية منتظمة تستقطب إليها المهتمين من المواطنين والوافدين من مختلف المستويات. وحتى الحفلات الموسيقية المدرسية الجماعية التي بلغت مستويات راقية فيما مضى، تدنى مستواها ومحتواها الآن نتيجة للقيود والمحظورات المختلفة التي تضعها الجماعات الدينية المتزمتة وتخضع لها -مع الأسف الشديد- الإدارات التربوية وغيرها من الجهات التنفيذية المسؤولة.
على جدران صالة المسرح بدار الآثار الإسلامية علقت صور جميلة رسمت باليد (اسكيتشات) لمجموعة من رواد الموسيقى والغناء في الكويت الذين كان لهم دور بارز في تقدم وتطوير وانتشار الفن الكويتي على مدى قرن من الزمان. وليس بالإمكان ذكر جميع الذين أسهموا إيجابيا في هذا المجال، ولكني أذكر على سبيل المثال وليس الحصر أسماء بارزة مثل عبدالله الفرج وعبدالله الفضالة ومحمود الكويتي وعبداللطيف الكويتي وعودة المهنا من الرعيل الأول، وكذلك سعود الراشد وعوض دوخي وحمد الرجيب وشادي الخليج وعايشة المرطة وأحمد باقر (الذي تم تكريمه في نهاية الأمسية الموسيقية) من الجيل الذي تبعهم، وعشرات من المبدعين والمبدعات من المطربين والموسيقيين الشباب الذين نستمتع بأصواتهم وألحانهم الجميلة الآن، ولعل المثل البارز بين جيل الشباب، الفنان عبدالله الرويشد الذي كان حاضرا الحفل كذلك. وهؤلاء الفنانون جميعا- على مدى العقود الماضية- كانوا محل تقدير وتبجيل واحترام في المجتمع الكويتي بما في ذلك رجالات الحكم والقيادة السياسية. ولم يستنكف أو يتهيب هؤلاء من مشاركة الموسيقيين والمغنين في مجالس السمرات والطرب، لأن تلك المجالس كانت راقية ومهذبة وتعكس التطور الاجتماعي والأدبي في الكويت. بل إن بعض الأمراء ساهم في كتابة قصائد وأشعار تغنى بها مشاهير المغنين الكويتيين، ولم يكن مفاجئا إذن أن يكون المرحوم الشيخ سالم الصباح مؤلفا لقطعة موسيقية جميلة بعنوان «المسيلة» عرضت ضمن «المراقي».
الدكتور سليمان الديكان الذي قدم صورة فنية مشرقة للكويت في حفلة عظيمة حضرها الكثير من رجال السلك الدبلوماسي الأجنبي في الكويت وشخصيات ثقافية بارزة أخرى، هو ابن الموسيقار الملحن الممتاز غنام الديكان الذي حضر الحفل كذلك، فالفن عنده إذن موروث من مبدع تليد، ومتطور ليواكب الانفتاح على عوالم فنية عالمية متقدمة. ولد سليمان في الكويت في العام 1971، ونشأ في وسط فني رعاه فيه والده الموسيقار النابغ، واشترك منذ وقت مبكر في الأمسيات الموسيقية التي كانت تقيمها المدارس الكويتية ويحضرها كثير من الملحنين والعازفين الأجانب. والتحق بمعهد الدراسات الموسيقية في العام 1986، ثم المعهد العالي للفنون الموسيقية في العام 1996. وواصل دراسته في جامعة الروح القدس بلبنان حيث حصل منها على شهادة الماجستير في العلوم الموسيقية في العام 2001، ثم شهادة الدكتوراه من الفئة الأولى في العلوم الموسيقية والتأليف والتوزيع الموسيقي في العام 2005. وقد قدم الموسيقى التصويرية لأكثر من 250 فيلما وثائقيا لتلفزيون الكويت ومحطات تلفزيونية أخرى عربية وأجنبية، وله كتب ودراسات موسيقية منها «ميراث وطن» و«تنويعات حديثة لألحان كويتية وخليجية»، ومنها دراسة لمشروع إنشاء مركز أو دار الأوبرا الكويتية. ونحن نأمل أن يخرج هذا المشروع الموعود إلى نور الواقع قريبا لنسد بذلك جانبا من النقص والقصور في مؤسساتنا الثقافية الحضارية.
«المراقي» هي درجات السلم التي يصعد عليها المرء للوصول إلى الأدوار العليا. وقد اختار الفنان الديكان هذا الاسم الرمزي لأمسيته الموسيقية الأخيرة ليعبر عن المراحل الفنية التي تدرج فيها فن اللحن والغناء الكويتي عبر تاريخه الطويل صعودا حتى يبلغ مرحلة الانفتاح على الإبداعات العالمية. وتتلخص فكرتها في أعمال موسيقية حديثة منسوجة بقوالب تراثية كويتية، ويتم المزج فيها بين الآلات الأوركسترالية العالمية والآلات الشرقية العربية، فيتناغم فيها المرواس مع الكنترباص، والعود مع البيانو، والربابة مع الكمان، والطنبورة مع الأورجن، والنهمة البحرية مع الغناء الأوبرالي. لقد كان هذا المزج الفني رائعا حقا وأثار الإعجاب لدى الحضور بتنوع جنسياته وثقافاته.
تلك الأمسية الموسيقية الرائعة كانت لحظة سعيدة في هذا الزمن الصعب الذي كادت الفرحة فيه أن تختفي من وجوهنا، ودار الآثار الإسلامية مركز ثقافي راق نرفع فيه رؤوسنا أمام ضيوفنا الكرام من الوافدين إلينا من كل حدب وصوب.
شكرا لك أيها الفنان المبدع سليمان غنام الديكان. وشكرا لك أيتها المشرفة بكل اقتدار وإخلاص على دار الآثار الإسلامية حصة صباح السالم.
كاتب كويتي








أضف تعليقك