فنشوني من كونا بـــ «نزاكة»
![]() |
حاولنا اقتناص ذاكرة الاستاذ برجس حمود البرجس، فلم نقتنص إلا رغبته الملحة في عدم الاساءة إلى أحد!
لكننا استطعنا في هذا الحوار، أو ربما استطعنا، الاقتراب من ذلك الوجه الآخر، الوجه الإنساني للسيد برجس، من خلال معرفة ظروف النشأة الأولى، والحب والزواج والعمل في حياته.
و.... والمفاجأة أنه رغم وصوله إلى الخامسة والسبعين من عمره، إلا أنه ما زال مصراً على العمل والعطاء، ويرفض الراحة والتقاعد، لأن قناعة قد تبدو غريبة للبعض تتملكه، وهي أن الإنسان لا يرتاح إلا في قبره!
و..... وهو رجل كانت أحلامه في البداية بسيطة ومخلصة، لكنه طوال حياته لم يتوقف عن الحلم، نفس الحلم الذي راوده في البداية، وهو العمل، والمزيد من العمل، فالعمل في حد ذاته هو حلم برجس الذي لم يتغير.
و..... ودعونا نقترب أكثر من الوجه الآخر للسيد برجس البرجس، الشهير بمؤسس «كونا».
عندما بكى الأب!
الهدوء يسود أركان المستشفى، إلا من حركة قليلة هنا أو هناك، وداخل غرفة فسيحة اجتمع عدد من الأهل والأصدقاء، حول فراش مريض، بدا منهكاً واهنا، وليست لديه رغبة قوية في الحياة، كانت عينا المريض تتلفتان بين الحين والآخر، إلى زائر واحد بالتحديد، الذي بدا وجهه مكتسيا بتأثر شديد وقلق عارم على المريض المسجى على الفراش!
كان الزمان العام 1985، وكان المريض هو حمود البرجس، والزائر المضطرب القلق هو ابنه الوحيد برجس، فالسيد حمود لم ينجب سوى برجس وابنة أصغر منه، وتبادل الأهل والأصدقاء كلمات وعبارات المجاملة التي تتمنى للمريض الشفاء العاجل وعودته قريباً إلى بيته، لكن المريض كان لاهياً عنهم، ويعاود الالتفات بين الحين والآخر إلى وجه ابنه برجس!
ودخل طبيب إلى الحجرة، وبدأ في الحديث مع المريض، محاولاً إدخال الطمأنينة إلى قلبه، وحثه على ضرورة الاعتناء بنفسه وتناول الدواء ووجبات الطعام في مواعيدها المقررة.
لكن المريض الذي كان يبدو واثقاً من أن النهاية قد اقتربت، وأن الرحيل قد أوشك، رد على الطبيب بصوت واهن، وقال «يا دكتور أنا لم أعد أريد شيئاً من الحياة.. لقد شبعت من دنياي»!
توقف المريض للحظات يلتقط أنفاسه اللاهثة، ونظر مرة أخرى إلى ابنه برجس الذي غرق في دوامة من الحزن والتأثر الشديد بعد سماع كلام الوالد للطبيب، وعاد المريض يقول للطبيب «صدقني يا دكتور.. لست قلقاً تجاه أي شيء يحدث لي، ولكنني قلق فقط بشأن هذا الولد -مشيراً إلى ابنه برجس- فأنا أخشى عليه من فراقي، لأنه عاطفي جداً»!
و.... ولم يتمالك برجس نفسه، لم يستطع السيطرة مطلقاً على مشاعره، وسارع إلى فراش والده، يقبل يده ويلثم جبينه، والدموع تطفر من عينيه!
و.... ولم تمض إلا أيام قليلة، ورحل العم حمود البرجس عن عالمنا، تاركاً ابنه برجس لدوامة الحزن العميق!
ويعترف برجس حمود البرجس، أن المرحوم والده كان صادقاً تماما، عندما تحدث عن العاطفة الجمة التي تتملك وتسكن قلب ابنه، ويراها -هذه العاطفة- أحد أبرز عيوب شخصيته، ويقول «بالفعل أنا رجل عاطفي جداً، وهذا أكبر عيب في شخصي المتواضع».
وعندما يعود برجس الذي بلغ الآن الخامسة والسبعين من عمره المديد، بذاكرته إلى الوراء طويلاً، إلى فترة الصبا لا يتذكر شيئاً كان له أشد الأثر في قلبه، سوى حادث بكاء أبيه!
في ذلك الزمان، أيام صبا برجس، كان والده يعمل على المراكب التي كانت تجوب البحار بين الكويت والهند حاملة الذهب، وفي إحدى هذه الرحلات تأخر الوالد كثيرا، لأسباب تتعلق بتأخر إبحار المركب من الهند، واضطر التلميذ برجس لأن يعمل كموظف بسيط في إدارة البلدية في العطلة الصيفية لمدة ثلاثة شهور، حتى يستطيع بالراتب الضئيل لهذه الوظيفة أن يعول الأسرة في غياب الوالد.
وعندما عاد الأب من رحلته الطويلة، وعرف بقصة عمل ابنه الصغير في غيابه كي يعول الأسرة، بكى من شدة التأثر!
ويقول برجس إنه تأثر كثيراً لرؤية أبيه يبكي من أجله، وإنه لا يستطيع أن يمحو هذا المشهد من ذاكرته أبداً!
غرباء يزورون العمة!
منزل عائلة السيد حمود البرجس، القابع في هدوء شوارع الكويت في الأربعينيات من القرن الماضي، كان يزوره بين الحين والآخر غرباء يرتدون ملابس توشي بفقرهم، ويدخل هؤلاء الغرباء الفقراء إلى حجرة العمة الجميلة مباشرة، ويخرجون من الحجرة وهم يرددون آيات الشكر والدعاء لها!
لم يكن الصبي برجس، أو أي أحد من أفراد العائلة، يعرف شيئاً عن هؤلاء الغرباء الذين يزورون العمة، التي كانت تسكن معهم في نفس البيت، فلم تكن العمة تتحدث عنهم قط، فقط فهموا أن هؤلاء الغرباء هم فقراء تعطيهم العمة الطيبة صدقات ومساعدات تعينهم على العيش، لكن العمة لم تتحدث قط عن هذه الصدقات، ولم تشر أبداً إلى أسماء هؤلاء الفقراء، كانت تؤمن بأن الصدقة يجب أن تبقى دائماً سراً في القلب.
وعندما توفيت هذه العمة الطيبة في العام 1965، في نفس يوم وفاة أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم، لم تجد عائلة برجس في حجرة العمة أية أوراق أو سجلات لهؤلاء الفقراء الذين كانت تساعدهم، وانقطع هؤلاء بدورهم عن زيارة منزل برجس بعد رحيل العمة!
ويقول برجس: «لقد أسفنا كثيراً، لأننا لم نستطع الاستمرار في تقديم المساعدة إلى هؤلاء الفقراء بعد رحيل عمتي، لأننا لم نعرفهم قط»!
ويضيف قائلاً: «لقد ورثت العاطفة من أمي، ولكنني تأثرت كثيراً بعمتي، والتي أعتبرها قديسة، في التزامها ونقائها الديني، وكانت مشهورة بجمالها وأناقة ملبسها، وكانت تستخدم الكثير من الحكم والأمثال في تربيتي وتعليمي، لقد كانت امرأة عطوفة للغاية وحكيمة وعاقلة في آن واحد، وقد تعلمت منها الكثير الذي أفادني في حياتي العملية».
و.... وأشهر الحكم والأمثلة التي كانت ترددها دائماً العمة على سمع برجس هي «كثّر من الأصدقاء.. ترى الأعداء أكثر»، ويقول برجس: «لقد التزمت طوال حياتي بهذا المبدأ، وقد أعانني طوال السنين، فليس هناك سند أعظم من الأصدقاء الأوفياء في حياة الإنسان، وأحمد الله أن لديّ الكثير منهم».
«الفلقة»!
لم يعتد برجس الضرب في طفولته، ولا يتذكر أبداً «علقة» من أبيه أو أمه، أمّا المدرسة فقد كانت شيئاً آخر، فقد كانت طبيعة العملية التعليمية آنذاك، تقوم على فكرة هيبة المدرس، الذي كان دائماً ما يلجأ إلى الزجر والنهي، وفي أحيان كثيرة إلى ضرب التلاميذ، لدفعهم إلى المزيد من بذل الجهد في المذاكرة واستيعاب الدروس، وكان الضرب بالفلقة أمراً شائعاً في ذلك الزمان بالمدارس.
ومن مدرسة أحمد الخميس الأهلية، إلى مدرسة الأحمدية التابعة لإدارة المعارف، ثم مدرسة القبلية، سار مشوار برجس التعليمي، ويقول عن مسألة الضرب في المدارس «آه.. لقد ضربنا كثيراً من المدرسين.. بذنب ومن غير ذنب.. ولا أعتقد أن عملية الضرب للتلاميذ أمر مفيد.. فهو يترك أثراً سيئاً في نفوسهم.. وربما دفع بعضهم إلى كراهية المدرسة والتعليم أساساً.. والبعض بالفعل ترك الدراسة لهذا السبب!
لكن الأستاذ حمد كان مختلفا عن بقية المدرسين في هذا الزمان، ولا يزال برجس يتذكره، فلم يلجأ أبداً إلى العنف والضرب مع التلاميذ، بل كان يستخدم منهج المداعبة واللطف في تمرير الدروس والمعلومات إلى تلاميذه، وكان التلاميذ يحبونه للغاية، ويقبلون تماماً على الدروس التي يتلقونها على يده، وكان ناجحاً جداً في عمله التربوي والتعليمي.
ويعترف برجس بأنه لم يكن تلميذاً نجيباً في دراسته، فقد كان مهملاً في دراسة اللغة الإنجليزية والحساب، رغم أنه حظي بمدرسين جيدين في هاتين المادتين، ولكنها شقاوة الصبا وحب اللعب والكسل -كما يقول- ورغم ذلك لم يتخلف في دراسته.
الحب الأول
عرفها قبل الزواج، على عكس الشائع في ذاك الزمان، الذي لم يكن يرى الرجل زوجته قبل ليلة الزفاف، والسبب أنها كانت إحدى قريباته، عرفها جيداً وأحبها، وسعد للغاية عندما اختارها أبوه وأمه زوجة له، كانت نعم الزوجة، وظلت هكذا حتى الآن، الزوجة المحبة العطوفة، التي لم يحب برجس سواها.
لماذا؟!.. يقول برجس: «لقد عرفت كيف تحتويني، فقد استطاعت دائماً احتمال مزاجيتي وعصبيتي، وأحياناً قسوتي، إضافة إلى انشغالي الدائم بعملي، والذي أدى إلى ابتعادي كثيراً عن البيت، كانت عظيمة في تسامحها مع تقصيري أحياناً، والمزاج العصبي الذي كان يعتريني، بسبب ضغوط العمل».
والنساء الآخريات في حياتك؟ هكذا أقول ممازحاً أستاذنا برجس، الذي يضحك عالياً، ويقول: «أنا إنسان مثل كل البشر، يستهويه الجمال في أي شيء، سواء كان جمالاً طبيعياً، أو جمال وجه امرأة، ولكن الأمر لم يتعد قط، مجرد نظرة أو مزحة، فالحب كان دائماً مستقراً في قلبي لزوجتي، التي لم أفكر أبداً في امرأة أخرى سواها، وكنت دائماً أردد أنني أفضّل الانتحار على التفكير في الارتباط أو الزواج من امرأة أخرى غير زوجتي»!
الانتحار يا أستاذنا! -أسأل مندهشاً- ويرد الأستاذ مؤكداً «نعم الانتحار بالنسبة لي أفضل من الزواج بامرأة أخرى.. فزوجتي هي حبي الأول والأخير»!
وأنجبت الزوجة الكريمة، الصبيان والبنات للأستاذ بالقسط والقسطاط، ثلاثة ذكور وثلاث بنات، وكلهم تربوا وكبروا محبين للأب والأم، لكنهم يميلون أكثر إلى الأم، هكذا يرى الأستاذ برجس، ويقول: «وأنا موافق على أن تحظى زوجتي بالقسط الأوفر من حبهم وتعاطفهم».
في بيتنا ديمقراطية -يقول الأستاذ- أنا وزوجتي والأبناء، نتشاور ونتبادل الرأي في كل شيء، ولكن الرأي النهائي لي شخصياً، وهذا ليس من باب التعسف، فأحياناً ينتقدني الأبناء أو زوجتي في أمور معينة، وأرى حجة قوية ووجاهة في انتقادهم، فأستمع إليهم، وأنفذ قرارهم، وقد حدث هذا مراراً، خاصة في الأمور المالية، فأنا رجل عاطفي للغاية، وأحياناً أخطئ في الحكم على هذه الأمور.
تأسيس «كونا»
تدرج برجس البرجس في مشواره المهني والعملي، حتى أصبح وكيلاً لوزارة الصحة، لكنه فجأة ترك الوزارة، واتجه إلى العمل الخاص!
ويوضح هذه المسألة قائلاً: «حقيقة لم أستطع الاستمرار، لأنني اختلفت مع الوزير في الرؤية والأسلوب، لم نختلف على الصالح العام، لكننا تباعدنا في أسلوب إدارة العمل، ففضلت الانسحاب والاستقالة من الوزارة»!
خرج برجس من وزارة الصحة، وانشغل بالعمل الخاص، وذات يوم استدعاه سمو ولي العهد آنذاك المرحوم الشيخ جابر الأحمد، وطلب منه الانتقال للعمل في مكتبه، ولكن برجس اعتذر عن هذا التشريف والثقة، فما كان من الراحل الشيخ جابر إلا أن عرض عليه فكرة إنشاء وتأسيس وكالة أنباء كويتية، ولم ير برجس في قدراته وخبراته ما يؤهله للقيام بهذه المهمة، لكن سمو الشيخ جابر كان واثقا من قدرته على الوفاء بهذه المهمة الإعلامية الهامة.
ويتذكر برجس جيداً قول الأمير الراحل له عند تكليفه بمهمة إنشاء وكالة الأنباء الكويتية «إذا فشلت.. فسأكون أنا المسؤول».
وتلقى برجس المحاضرة الأولى في حياته عن أهمية الإعلام من سمو الأمير الراحل، والذي شرح له الدور الخطير الذي لعبه غوبلز وزير الإعلام إبان الحقبة النازية، وكيف كان إعلام غوبلز أكثر تأثيراً من السلاح الألماني في الحرب العالمية الثانية.
و.... وبدأ برجس مهمته الشاقة في تأسيس وكالة «كونا» العام 1977، ويتذكر أنه لم يتبع منطق غوبلز في العمل بالوكالة، ولكنه أنشأ كونا بالعمل الجاد والاجتهاد والتطوير المستمر، والتعلم من الآخرين فنون الإعلام.
ويقول برجس: «كنت حريصاً على دقة العمل وتطويره دائماً، واعتدت الحضور مبكراً في السادسة صباحاً إلى الوكالة لكي أبدأ عملي بمتابعة الأخبار والتطورات الجارية في العالم، وكنت أشارك زملائي المحررين بالوكالة في العمل، وأتعلم منهم، استطعت الاستفادة من خبرة كل منهم، بالإضافة إلى معرفتي بفنون العملية الإعلامية، وساعدتني هوايتي في القراءة كثيراً».
ولا يزال الحديث لمؤسس كونا... والذي يضيف قائلاً: «نجحت والحمد لله.. ونجحت كونا.. وانتخبت رئيساً لاتحاد وكالات الأنباء العربية.. ورغم أن رئيس الاتحاد كان في العادة يتغير كل عام.. إلا أنني ظللت في موقعي ثماني سنوات.. وشاركت من خلال منصبي كرئيس للاتحاد في بدء حوار وتعاون مثمر مع وكالات الأنباء الأوروبية.. بغرض خلق حوار إعلامي عربي أوروبي.. وكنا جادين في تطوير الإعلام العربي بالاستفادة من خبرات الإعلام الأوروبي».
و... ويتوقف برجس البرجس قليلاً، وقد اكتسى وجهه بملامح الأسف، ثم يقول: «وعندما تركت كونا العام 1992.. توقف هذا الحوار الإعلامي العربي الأوروبي مع الأسف».
«لا تحرجني بالسؤال عن حال كونا الآن». هكذا يقول المؤسس برجس، ويضيف: «دون شك، فإن وكالات الأنباء قد تأثرت سلباً مع انتشار القنوات الفضائية.. ولم تعد لها الريادة في بث الأخبار، كما كانت السابق»، و.... ولا يضيف برجس مزيداً في التعليق على «حال كونا» الآن!
الخروج من كونا!
رصاصات تتطاير في كل اتجاه، ووقع رهيب لانفجار قنابل، وعسكر غزاة مغبرو الوجوه، يقتحمون البلد الآمن، أرسلهم رئيس دولة مسكون بجنون العظمة لكي ينتهكوا حرمات الشقيق، ويغزوا أرض الكويت، استباحوا قتل الأبرياء المساكين، ونشروا الخراب والدمار، لكن اللعنة حلت على الظالمين!
وكان برجس البرجس في لندن، لحظة وقوع الاحتلال البغيض، وبتوجيه من سمو الشيخ ناصر المحمد، أعاد بث كونا من مكتبها في لندن، لكي تنقل إلى العالم أخبار وصوت الكويت، الذي لم يستطع المحتل إجباره على الصمت، وعندما عادت الكويت حرة لأبنائها ودحر المعتدي، عاد برجس إلى الكويت، لتصدمه مشاهد الدمار الذي حل بمبنى كونا، فشكل لجنة على الفور لكي تسافر على وجه السرعة إلى دبي، وتشتري الأثاث والأجهزة اللازمة لإعادة تشغيل كونا من جديد على أرض الكويت، ومحو الخراب والدمار الذي حل بمكاتبها بفعل المحتل الغاصب.
وفي وقت قصير عاد لكونا وجهها الجميل ورونقها الأصيل.
وهكذا كان قدر برجس أن يؤسس ثلاث وكالات أنباء؛ كونا ما قبل الغزو، وكونا لندن أثناء فترة الاحتلال، وكونا ما بعد التحرير على أرض الكويت.
و.... وأثناء انشغال برجس بتجهيز كونا «3»، كان قراراً قد اتخذ، مفاده كما يقول برجس بصراحة تامة، أنه قد آن الأوان للتخلص من برجس البرجس.. ويرفض مؤسس كونا الإفصاح عن «هؤلاء» الذين كانت لهم الرغبة في التخلص منه إعلامياً، لكنه يقول إن «هؤلاء» وجدوا أن الحل الأمثل للتخلص منه، هو أن يقولوا له «إنك خدمت بما فيه الكفاية.. وآن لك أن ترتاح وتنعم بالتقاعد»!
لكن السؤال هنا، هل كان برجس البرجس مستعداً بالفعل للراحة والتقاعد؟!
وهنا يفاجئنا بالقول: «إنني لست مستعداً أبداً للراحة والتقاعد.. فالإنسان لا يرتاح إلا في القبر»!
ويوضح برجس هذا الرأي المثير للدهشة بقوله: «إنك عندما تعطي الإنسان راحة نهائية من العمل.. ويصبح عاطلاً ودون مستقبل يتطلع إليه.. فتلك بمثابة تقديم شهادة وفاة له.. ورغم أنني وصلت الآن إلى الخامسة والسبعين من عمري.. إلا أنني لست بحاجة إلى التقاعد.. فأنا لا أمارس عملاً شاقاً.. ولا أحمل صخوراً على كتفي كعامل بناء، وإنما أنا أعمل في حدود طاقتي الجسدية والذهنية، وأنا رجل أحب العمل والتفاعل اليومي مع البشر، والراحة بالنسبة لي أن أكون مريضاً أو متوفياً»!
ورغم أن الخروج من كونا كان أمراً صعباً على رجل كان له فضل تأسيسها، كما أنه رجل لا يريد راحة إلا في القبر، رغم ذلك، لم يشعر برجس بغضاضة من القرار الذي يصفه بوضوح، أنه كان قرار «تفنيش»، ويقول «لم أشعر بالغضاضة لأن التفنيش جاء بأناقة وشياكة وطراوة.. أو بالأحرى أستطيع القول إنهم «فنشوني بنزاجة»، وقد قدمت استقالتي قبل وصول القرار لي بشكل رسمي.. لأنني في حقيقة الأمر كنت أعلم به من مصادري الخاصة»!
ويتابع برجس بقوله: وعندما اتصل بي الشخص المرشح لتولي منصبي في كونا، قائلاً إنه أبلغ من الحكومة بتوليه رئاسة كونا، وسألني عن الوقت الذي أراه مناسباً كي يأتي إلى مكتبي، فقلت له بكل بساطة: الآن!
و... وخرج برجس من كونا بعد تلك «التفنيشة الشيك» كما يصفها، لكنه لم يخرج إلى التقاعد ولم يخلد للراحة، بل بدأ مشواراً جديداً في حياته.
من فعل الإعلام إلى فعل الخير
لم يستطع برجس الركون إلى الراحة والتقاعد بعد خروجه من كونا، تفرغ لعمل ونشاطات جمعية الهلال الأحمر الكويتي، والتي كان أحد مؤسيسها، ثم أصبح رئيساً للجمعية، التي تنشر الخير والعطاء الإنساني داخل وخارج الكويت.
وتهدف الجمعية إلى تحقيق مبادئ حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر داخل البلاد وخارجها على أساس اتفاقيات جنيف الأربع، والتي تتضمن تحقيق الرعاية الاجتماعية والصحية للفئات المحتاجة، والمساهمة في عمليات الكوارث والإسعافات الأولية والإنقاذ لضحايا ومنكوبي الكوارث الطبيعة.
وفي كل مكان على أرض المعمورة كان لجمعية الهلال الأحمر الكويتي مساهمة إنسانية متميزة، وهي مساهمات لا يمكن حصرها في سطور أو حوار مع ضيفنا برجس البرجس، الذي ترك فعل الإعلام إلى فعل الخير.
ويقول برجس: «إن طبيعتي العاطفية والإنسانية انسجمت تماماً مع الأنشطة الإنسانية للجمعية، وجعلتني أشعر بسعادة كبيرة، هذه السعادة وفرت لي طاقة وقدرة على بذل الجهد والنشاط في تقديم العطاء والخير من خلال الجمعية، لم أكن أظن أنني أملك هذه الطاقة، خاصة في عمري المتقدم».
ويشير برجس بافتخار واعتزاز إلى خريطة في مكتبه، تتضمن أماكن الدول والمناطق، التي ساهمت وساعدت جمعية الهلال الأحمر الكويتي أبناءها في الكوارث التي حلت بهم، وتكاد تشمل هذه الخريطة معظم أنحاء العالم، إضافة إلى المساعدات المادية التي تقدمها الجمعية بصفة شهرية إلى خمسة آلاف أسرة في الكويت، وأيضاً مساعدات صحية وأجهزة طبية لغير القادرين.
كل هذا يسعد برجس البرجس، ويعطيه طاقة تتجاوز عمره، لكي يقدم المزيد من العطاء للمحتاجين داخل وخارج الكويت.
و.... ويقول برجس: «لقد ارتاحت نفسي تماماً لهذا العمل الإنساني».
و.... وبرجس الذي يعشق قراءة كتب المذكرات الشخصية للمشاهير في السياسة والأدب والفكر، يقول: «بلشت بالفعل بكتابة مذكراتي، ولكنني لم أكملها بعد، وأنا لا أعتبرها مذكرات بالمعنى المتعارف عليه، فأنا لست سوى شخص عادي، وإنما هي مجرد ذكريات عشتها في حياتي، وعن قادة وزعماء التقيتهم وعرفتهم أثناء عملي الإعلامي، وقادة أثرت مسيرتهم في تفكيري، وآخرين كان لهم دور هام في حياتي».
ورغم اعتراف برجس بأهمية البوح الإنساني والمكاشفة الصريحة، إلا أنه يعترف بأنه لا يستطيع ذكر كل شيء عند كتابته لذكرياته، فهو يلتزم بمبادئ وأخلاقيات تمنعه من الإساءة لأحد، حتى ولو أساء إليه البعض، ويقول: «إذا كان أحدهم قد أخطأ معي، فإنني لا أود إيذاءه، أو الإساءة إليه».
و... ولعل هذه الكلمات هي أبرز ما يميز شخصية برجس البرجس، فهو رجل يتكلم، لكنه لا يفصح كثيراً، خوفاً من الإساءة لأي أحد، ذلك هو برجس العاطفي جداً.






أضف تعليقك