السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

دبلوماسية القانون الدولي



الاثنين, 14 يوليو 2008
محمد الرميحي

تحدثوا عن القرن العشرين بأنه قرن «دبلوماسية البوارج»، ويبدو أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن «دبلوماسية القانون الدولي»، فمع العولمة التي تنتشر وتقرّب بين القارات والثقافات يبدو أن القانون الدولي هو الذي يأخذ الصدارة.

في الذهن عدد من الإشارات البعيدة والقريبة، روبرت موغابي في زيمبابوي وعمر البشير في السودان، هما آخر ما نقلته الأنباء بكثافة حول تطبيق القانون الدولي، على الرغم من المقاومة التي تبديها كل من زيمبابوي والسودان، إلا أنها مقاومة قد تلين أمام مطرقة الدفع الدولي التي تكثف الاشمئزاز السياسي من تصرفات سياسية داخل الدولتين المعنيتين.

من جهة أخرى فإن الإطاحة بكل من نظام صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان كانت نتيجة مباشرة للضغط الدولي القانوني على النظامين، فلم يعد مقبولا اليوم الاختباء وراء السيادة الوطنية وانتهاك قواعد القانون الدولي في الوقت عينه.

الإدانة القانونية هي أول إدانة تتلقاها الدولة التي تعرف بـ «الدولة الفاشلة»، إلا أن ما يتبعها من سلسلة إدانات، منها مقاطعة دولية تتسع إلى أن تصل لشن حرب ساخنة أو باردة عليها، هو ما يتبع ذلك. التفكير الصحيح هو أن تقوم الدولة المستهدفة بفك العزلة من حولها قبل أن يضيق الطوق على الرقبة، ويبقى إنهاء النظام قضية وقت لا مبدأ.

في الشرق الأوسط هناك دولتان وسط العاصفة؛ الأولى إيران والثانية سورية. مع اختلاف معطيات كل منهما تجاه القانون الدولي أو الرغبة الدولية في التعاطي السياسي معهما. كلتا الدولتين على الأقل في موضع الشك إن لم يكن الاتهام. معركة إيران معركة علاقات عامة مختلطة بفخر قومي، أكثر منها معركة دبلوماسية. فإيران أو القيادة المدنية السياسية الإيرانية الحالية اتخذت من الشعارات مطيّة لها في مواجهة المعركة السياسية الدولية، وقد فشلت في العلاقات العامة بفشل الرئيس أحمدي نجاد في مخاطبة العالم، فعلى منبر الأمم المتحدة تحدث السيد نجاد عن انتظار «المخلّص»، وهو أمر قد يقبله العقل المحافظ، إلا أن عالم اليوم المتشابك والمعقد لا يفهم ما معنى انتظار «المخلص». من جهة ثانية فإن ما يخرج من تصريحات قد تسمى منفلتة من طهران تزيد من خسارة العلاقات العامة الدولية، فتارة سوف «نحرق إسرائيل»، وتارة سوف نهاجم «المصالح الأميركية» في كل مكان، وفي أخرى تراجع عن تلك التصريحات، ولكن بعد أن فعلت فعلها لدى الساحة الدولية.

في الحالة السورية الأمر أكثر غموضا بسبب مكان سورية الجغرافي وموقعها المعقد مع إسرائيل. في المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل تلمّح دمشق كثيرا إلى أهمية وجود الضمان الأميركي، وهي تعتقد أن هذا الضمان يمكن أن يُجَرَّ إلى الساحة عن طريق الضغط على الخاصرة اللبنانية التي تراهن عليها الولايات المتحدة بانتصار «المسار الديمقراطي». في هذا الأخذ والرد استطاعت دمشق أن تشق لها مجرى دبلوماسيا مع الطامح للدور الأوروبي الأول الرئيس نيكولا ساركوزي. إلا أن هذا المسار الدمشقي الذي يسير خطوة خطوة قد يسلبها قوة الردع الدبلوماسي المفاجئ والساخن التي هي بحاجة إليها، ويتلخّص في خطوة «جريئة»، إن صح التعبير، كخطوة المرحوم أنور السادات في المعنى وليس في الشكل، بعد الأخذ بعين الاعتبار ثلاثين عاما من المتغيرات منذ ذلك الوقت. فالخطوة الجريئة المنتظرة من دمشق هي الانفكاك من الشرك اللبناني مرة واحدة وبوضوح تام، وطي ذلك الملف الذي لا تتسع له الدبلوماسية القانونية الدولية الحديثة، وهذا ما ظهر في الطلب الفرنسي بإعلان نية التبادل الدبلوماسي السوري اللبناني من باريس وقبل أيام قليلة من الاحتفال بثورة «الحرية والإخاء والمساواة».

الفشل في توسيع رأس الجسر الدبلوماسي الذي استطاعت دمشق أن تحققه في باريس سيعود عليها بنكسة قد تؤدي إلى عزلة أشد مما كانت. طهران ودمشق قد تسايران ما ترمي إليه الدبلوماسية القانونية الدولية في حالة ما إذا سارت العاصمتان إلى وفاق دولي تتوسع قاعدته ليأخذ طريق التحول الذي اتبعته جنوب أفريقيا في السابق، وهو الطريق نفسه الذي سارت بعض عواصم أوروبا الشرقية عليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وخلاصته السعي إلى الانضمام للأسرة الدولية والمحافظة على المصالح الوطنية في حدود مصالح الآخرين وبالتفاهم معهم. يبدو أن الخيار المتاح هو ذاك لا غيره، وكل ما نراه ونسمعه من خلال وسائل الإعلام من ضجيج ما هو إلا غطاء لما يجري خلف الكواليس، حيث إن الخسائر الفادحة في التصادم مع الدبلوماسية القانونية أكبر بكثير من استعداد أي طرف لدفعها.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.