السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

الحنة..ليلة موغلة في القدم.. لا تتخلى عن طقوسها



الجمعة, 18 يوليو 2008
القاهرة ــ شيماء وهبه

ليلة الحنة هي الليلة التي تسبق يوم الزفاف، عرفها العرب منذ عصور، وهي ليلة مقدسة لها طقوس وتقاليد خاصة تتّبع في كل المنطقة العربية، وعلى رغم اختلاف هذه التقاليد من دولة لأخرى يبقى شيء مشترك هو الحرص على إحياء هذه الليلة.

في المملكة العربية السعودية تسمى ليلة الحنة باسم «الغمرة» وترتدي العروس فيها زياً معيناً يسمى «الزبون» وهو فستان لونه أخضر مطرز بقطع ذهبية اللون، وتزف العروس على صندوقين يتم تبديلهما في كل خطوة تخطوها للأمام وسط موسيقى وغناء، وتوزع الهدايا والحناء على النساء الحاضرات.

وفي دول شمال أفريقيا تحرص الأسر- على نشر الحنة جافة في هذه الليلة داخل منزل العروسين وعلى كل الأعتاب قبل أن تطأها قدم العروس مع ترديد بعض الأدعية لحفظ العروسين وأسرتيهما من عين الحسود، ولدخول البركة على المنزل الجديد قبل بدء الحياة الزوجية.

أما العروس فتجلس على ما يسمى بـ«التكية» مرتدية جلباباً شديد التطريز بالألوان المبهرة، وعليه طرحة شديدة اللمعان وتأتي «الحنانة» كما يطلقون عليها لتقوم بعمل رسمات الحنة على يد وقدم العروس وسط الزغاريد والأغاني الفلكلورية.

وفي مصر فهي ليلة مقدسة عند المصريين، وهناك العديد من الطرق التي يتم الاحتفال بها، ففي الريف يحتفل الريفيون بها قبل ليلة الزفاف مباشرة، ويحتفل بها العروسان كل على حدة، فعند العروس يجتمع الأهل والأصدقاء ونساء القرية وتقوم والدة العروس بعجن الحنة بماء الورد وتقوم بتخميرها في إناء مزركش وتنثر عليها أوراق الزهر في أشكال جمالية قد تكون اسم العروس أو العريس، وترص الشموع في شكل دوائر وتضاء حتى صباح يوم الزفاف، وتأتي الماشطة لتزيين يد العروس بالحنة، ويرجع سبب استعمال الحنة في هذه الليلة لأنها زينة لها صفة الثبات مهما انهمكت العروس في أعمال المنزل.

وتحرص صديقات العروس وأقاربها على وضع العملات الفضية داخل إناء الحنة اعتقاداً بأن هذا الفعل يجلب الرزق على العروس في بداية حياتها، وهناك من يضع فروع الزرع الأخضر تحت قدم العروس تيمناً بالخير والرخاء طوال العشرة الزوجية. أما عن تحنية قدم العروس في الريف فهي من الأمور المهمة، لأنها تعبر عن قدوم الخير على الزوج، وتعكس الشرور التي يمكن أن يواجهها في حياته الجديدة.

يبدأ الاحتفال بقدوم السيدات الكبيرات في القرية يحملن الطبلة على أكتافهن مرددات الأغاني الشعبية وأمامهن تسير الفتيات حاملات الحنة وحولهن الشموع، يجول الموكب الشوارع وفي نهاية الليلة لابد من أن تحصل جميع الحاضرات على قطعة من الحنة، وإلا كان ذلك عيباً في حق أم العروس، وكما للعروس احتفال فإن عريس الريف له احتفال أكبر فيرتدي الجلباب الأبيض الطويل ويجلس على «دكة» خاصة مزينة بالورود وفروع الشجر الأخضر ويجلس حوله أصحابه، كذلك تفرش الحصر أمام هذه الدكة على مساحات واسعة، وتعد الولائم وراكيات الشاي (كومة من كيزان الذرة الخالي من الحبوب ويتم إشعال النار فيها بغرض تحضير الشاي)، كما توزع المشروبات على الحاضرين كتحية لهم وتُعجن الحنة، ويحضر الحلاق الذي يقوم بعمل الحنة للعريس وربطها بأربطة خاصة في اليدين والقدمين. ومن أهم ما يحرص عليه الريفيون في حنة العريس إحضار المنشد الديني الذي يجلس طوال الليل في حالة من الإنشاد والمديح يتمايل معها جميع الرجال الحاضرين كتحية للعريس إضافة لتقليد «النقوط»، وهو ما يقدمه الحاضرون من مبالغ مالية للعريس وأسرته على سبيل المشاركة لهم والمساعدة في تأسيس وإقامة أول الحياة الزوجية، وتلك في الغالبية ما يعتمد عليها العريس في الإنفاق على زوجته في الفترة الأولى للزواج.

أما عن السيدات من أهل العريس فيحملن الحنة على حامل خاص بهن ويجبن الشوارع مع زفة الطبول البلدية والحصان يرقص أمامهن ويكون ذلك بعد صلاة المغرب مباشرة.

ومن قلب الريف إلى جنوب مصر حيث بلاد النوبة أو كما يطلقون على أنفسهم «بلاد الكنوز» فإن ليلة الحنة لها مذاق خاص واستعدادات خاصة.

فأم العروس عليها تحضير الأعشاب والعطور التي ستعجن بها الحنة منذ ولادة العروس، ذلك لأن هذا العطر المسمى بالخُمرة هو نوع معين من الأعشاب يضاف له زيوت عطرية تعتق لمدة سنين طويلة فتبلغ قيمتها آلاف الجنيهات لزجاجة صغيرة، ولذلك فعلى الأم الاستعداد لتحنية ابنتها منذ نعومة أظافرها وتأتي الحنانة وتحضر جميع فتيات وسيدات القرية للاستعداد لتزيين العروس ورسم الحنة لها. وتقوم العروس بإعطاء الحنانة يديها وقدميها التي ترسم عليها أبدع اللوحات الفلكلورية، وذلك باستعمال أعواد طويلة تقوم بغرسها في الحنة لينة القوام ذات اللون الأسود ولها رائحة ذكية، إضافة لرسم الحنة للعروس في أماكن أخرى من جسد الفتاة، وأثناء كل هذا تقوم صديقات العروس بالغناء وطرق الدفوف وسط الزغاريد والرقص، ولا توجد واحدة من المدعوات لا تقوم بالغناء والرقص مهما كان عمرها، وإلا صار ذلك عيباً لا يغتفر أما عن الاحتفالية فيتم إعداد مكان لجلوس العروسين لأن تقليد الحنة هناك يجمع العروسين ولأن العرف يمنع زواج النوبية من أجنبي أي من خارج النوبة.

كما يرتدي العريس الزي النوبي (الجلباب الأبيض القصير والسروال الواسع والطاقية المتعددة الألوان) بينما ترتدي العروس الثوب النوبي وهو ثوب واسع ذو ألوان زاهية ومطرز، إضافة لذلك ترتدي حلي الذهب وهناك تقليد متبع وهو منح والدة العروس كمية كبيرة من ذهبها لابنتها ليلة الحنة وهو ما يعرف بالذهب القديم، أما الذهب الحديث فهو ما يمنحه العريس لعروسه قبل الزفاف، وبعد غروب الشمس يجتمع العروسان وسط أهلهما والمدعوين الذين يقومون بتشكيل حلقات دائرية حول العروسين يرقصون ويغنون وسط الطبول والأغاني النوبية والشعبية، وعلى أم العروس أثناء ذلك توزيع الحلوى المتنوعة على جميع الحاضرين والمرور على كل السيدات حاملة معها فنجاناً به عطر الخمرة لتغمس كل سيدة أو فتاة أحد أصابعها فيه تبركاً بالحياة الجديدة، كذلك لابد من وضع فروع الأشجار الخضراء خلف العروسين ونثر الورود عليهما حتى تكون حياتهما مليئة بالسعادة والخير، ويظل الاحتفال قائماً حتى منتصف الليل.

يا حنة يا حنة .. يا قطر الندى

يقول شيخ العطارين الحاج سرور عبدالهادي: لليلة الحنة طقوس عربية، والحنة عشب عرفه العرب وكثر استعماله قبل الإسلام وحتى بعده، فهناك العديد من الأحاديث النبوية التي تحث على استخدامها لما لها من علاج للعديد من الأمراض، ونظراً لقيمتها الكبيرة في نفوس كل الشعوب العربية يتم التبارك بها.

ومن أشهر القصص التي تروى عن الحناء قصة «قطر الندى» ابنة السلطان خمارويه بن طولون التي استنزف عرسها كل ما كان في متاجر الفحامين والتربيعة من أطنان الحناء، وظلت توزع طيلة أربعين ليلة قبل الزفاف على كل عذراء في القاهرة، ولذا تقول الأغنية الشهيرة يا حنة يا حنة .. يا قطر الندى».

أما حالياً فقد شاعت أنواع كثيرة من الحنة منها الحنة الحمراء والبنية والسوداء وظهر متخصصون من النوبيين والسودانيين في الرسم للعرائس بالحنة.

السيدة بخيتة النوبية احترفت هذه المهنة وهي لا تقتصر على مجرد الرسم بالحنة، إنما تتعهد بإقامة حفلات ليلة الحنة بالكامل على الطريقة النوبية، وهي تحكي عن كيفية الرسم بالحنة للعرائس فتقول:

أقوم برسم الحنة للعرائس، وهذه الحنة ليست هي المعتادة في تلوين الشعر إنما هي نوع آخر من الحنة السائلة أضيف إليها مسحوق الحبر الأسود وبعض المسك، وإذا رغبت العروس في أن يكون لون الرسم داكناً «أسود» أضيف إليها نسبة بسيطة من الصبغة، أما عن الطريقة: فأضع الحنة في القرطاس وأبدأ في تشكيل الرسوم على المكان الذي تريده العروس، وغالباً ما يكون في القدم والكفين أو الأكتاف وبعض الأماكن الأخرى. وكنت في الماضي أرسم هذه الأشكال من خيالي ولكن بعد التطور صرت أختار الرسوم بمساعدة الكمبيوتر، إذ ترى العروس بنفسها كل الأشكال وما يعجبها أقوم بنقشه لها. وهناك إقبال شديد من الفتيات واللائي يصاحبن العروس على هذا النوع من النقش، إلا أن رسوم هذه الفتيات تختلف عن العروس، فما هو مناسب للفتاة العذراء يختلف عما يناسب السيدة المتزوجة. وأكون دائماً حريصة في عملي على أن أبعث البهجة في نفوس الحاضرات، وأظل أغني لهن الأغاني الشعبية والنوبية التي تحث العروس على رعاية زوجها وبيتها، وترقص المدعوات وتعلو الزغاريد. أما عن أنواع الحنة فهناك الحنة الحمراء والحنة البنية وهي تختلف باختلاف المكان الذي أتت منه شجرة الحنة، وتتميز حنة العروس بأنها سريعة الجفاف وسهلة الثبات فهي لا تحتاج لأكثر من نصف ساعة لتثبت تماماً.

وتشارك بخيتة النوبية كثيرات من الحنانة اللواتي انتشرت فنونهن بين فتيات المجتمع الراقي، ولم تعد قاصرة على فتيات وأفراح الريف فقط، منهن ستونة، رشا وغيرهن أصبحت مهنتهن تدر دخولاً غير متوقعة بحسب درجة ثراء العروس ومكانتها، واستطاعت بعضهن تكوين فرق غناء ورقص فلكلوري تصاحبهن في «ليلة الحناء» استكمالاً للطقوس.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.