السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

خوف الألمان من دور المسنين يفوق خوفهم من الإرهاب والبطالة



الجمعة, 18 يوليو 2008
إعداد: محمد جمّول

حين أقدم روجر كوش على مساعدة بتينا شارت على قتل نفسها قبل أيام في مدينة فيرتسبرغ الألمانية، كان كل شيء يشبه الانتحار بمساعدة شخص آخر إلا في ناحية واحدة.

لم تكن السيدة شارت (79 سنة) مريضة أو في حالة احتضار. كل ما في الأمر أنها لم تحب أن تعيش في دار للمسنين. ولتجنب هذا المصير طلبت من كوش المعروف بمناصرته للانتحار بمساعدة الآخرين.

وبعد انتهاء العملية التي نفذت بابتلاع دواء مضاد للملاريا ومادة سامة أخرى، صرح كوش في مؤتمر صحفي بأن آخر كلمة نطقت بها شارت كانت «وداعا».

ولكن لم تكن هذه الكلمة الأخيرة التي تقال في هذه القضية التي فتحت باب الجدل واسعا بين الألمان حول حدود الحق في الموت، في بلد شغله هذا الموضوع أكثر من بقية بلدان العالم، لأن النازية مارست ما يسمى القتل الرحيم على أكثر من 100ألف شخص كانوا يعانون من أمراض عقلية وجسدية عصيّة على العلاج.

وزير العدل في بافاريا، التي شهدت الحادثة، وصفها بالمخيفة لأن المرأة الضحية لم تكن تعاني من أي شيء سوى الخوف، ولأن كوش لم يقدم لها خيارا آخر.. أما المستشارة أنجيلا ميركل فقد أعلنت أنها بالمطلق ضد أي شكل من الانتحار المدعوم، وبأي شكل كان.

وفي هذه الأثناء تستعد خمس ولايات ألمانية لإصدار قوانين تحظر بيع أية مواد تساعد الناس على قتل أنفسهم. ومعروف أن الانتحار بحد ذاته لا يعتبر جريمة، وكذلك الانتحار المدعوم ما لم يدخل دائرة الموت الرحيم. ويرفض كثير من الألمان السير على طريق سويسرا التي تسمح قوانينها بالموت الرحيم ما أدى إلى انتشار الانتحار المدعوم. ولذلك عبر حوالي 500 ألماني الحدود إلى سويسرا خلال العقد الأخير لينهوا حياتهم بمساعدة مجموعة سويسرية تسهل عمليات الانتحار.

ومما زاد الطين بلّة أن كوش(53 سنة) الذي كان موظفا حكوميا كبيرا أعلن نتيجة ما قام به أمام وسائل الإعلام، مؤكدا أنه سيساعد كل من يقرر إنهاء حياته باختياره.

وقد ذكر في لقاء معه أنه يقدم خدمته لتمكين كل من يريد أن يموت في فراشه، معتبرا هذه أمنية كثير من الناس، وقد أصبح هذا ممكنا في ألمانيا.. مع هذه الجرأة في الترويج لعمله، أعاد كوش إلى الأذهان قصة الأميركي جاك كيفوركيان الذي قاد حملة الترويج للموت الرحيم في ميشيغان إلى درجة جعلت السلطات تضعه في السجن. لكن الألماني كوش، الذي تدرب كمحام، يعرف النقطة التي تعد تجاوزا للحدود المسموح بها. ففي حالة شميت، لم يزودها بالدواء السام أو يقدمه لها.. وغادر الغرفة بعد تناولها للدواء ثم عاد بعد ثلاث ساعات، وقد صور العملية كلها بالفيديو كدليل على أنه لم يكن شريكا مؤثرا.

وقد درس المدعي العام هذه القضية، لكنه لم يجد فيها ما يعرض كوش للخطر من الوجهة القانونية. وكان كوش صور خمس ساعات من المقابلات مع شارت توضح فيها مخاوفها ودوافعها للانتحار. ومع أنها لم تكن تعاني من أي مرض خطر أو ألم حاد، كانت غير مسرورة في حياتها لأنها تعيش وحيدة في شقتها من دون عائلة لأنها لم تتزوج، كما كانت تعاني من قلة الصداقات، وقلما كانت تخرج من البيت. وبالتالي لم يكن أمامها سوى خيار دار المسنين. ولأنها كانت تخشى مواجهة الغرباء ولا تتحمل من هم أقل منها ذكاء، بدا هذا المصير خيارا لا يطاق.

القانون الألماني لا يسهل عمليات الانتحار المدعوم كما يقول الصحفي الألماني لودفيغ منيلي الذي يرأس مجموعة المساعدة على الموت الرحيم في سويسرا( ديغنيتاس). ويقدم مثلا يقول فيه إن القوانين الألمانية تفرض على من يساعد الشخص المنتحر أن يتركه يموت لوحده وإلا يتعرض للمساءلة القانونية. أما القانون السويسري فيسمح للشخص الذي يقدم المساعدة وأفراد عائلة الشخص الذي يقرر الانتحار وأصدقائه بالبقاء معه.

يشكل الخوف من الوصول إلى دور المسنين في ألمانيا هاجسا قويا لدى المعمرين. تقول يوجين بريش مديرة مؤسسة دور العجزة «الخوف من دور المسنين بين المعمرين الألمان يفوق الخوف من الإرهاب أو الفصل من الوظيفة. ولذلك يجب على ألمانيا أن تواجه هذا الخوف لأنه، كما نرى، بات مستشارا مرعبا».

عن «نيويورك تايمز»

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.