سحر الطغيان
![]() |
حينما وقف المسؤولون الصرب على باب الرئيس السابق سلوبودان ميلوسوفيتش كي يصحبوه إلى وجهته الأخيرة، محكمة جرائم حرب يوغسلافيا في لاهاي، ظهر لهم الأخير وطلب منهم إمهاله ساعة واحدة. وخشية أن يقدم ميلوسوفيتش على الانتحار أو ما شابه ذلك، تقدم إليه أحد المسؤولين- وكان على معرفة وثيقة به- متسائلاً عما إن كان في نيته الإقدام على عمل كهذا. فما كان من الديكتاتور الصربي إلا أن رد قائلاً بأنه كان قد وعد زوجته مسبقاً بأن يقوم بغسل شعرها وسيَفي بوعده لها. ربما ليس بمقدور البعض التفكير بأن تلك اليدين اللتين يقطر منهما دماء مئات الضحايا الأبرياء قد تأتيان عملاً رقيقاً كهذا، سوى أن قطاعاً لا يستهان به من الجماهير تستلب دوماً بسحر الطغاة. فالعجائز الإنجليزيات كن أثناء الحرب العالمية الثانية يثرثرن عن فحولة الدوتشي موسوليني، مثلما كانت النسوة الألمانيات في عهد الرايخ الثالث يحلمن بإهداء ابن للفوهرر هتلر. وذلك الافتتان بالطغاة شهدناه ونشهده راهناً في الطريقة التي كان ينظر بها بعض العرب إلى الطاغية صدام حسين.
ولئن كان من اليقين أن الطغيان والطغاة ظاهرة قديمة بقدم حياة الإنسان على الكوكب، يؤخذ الناس بها كما تؤخذ الطريدة بعين صائدها، فإن الخطر العظيم يتأتى من افتتان المثقفين بالطاغية. فالضرر الناتج عن ذلك الولع بالطاغية وإن كان معروفاً، يبقى الأهم استكشاف موطن الخلل في البنية الفكرية لهؤلاء المثقفين، وما الذي أدى بهم إلى ممارسات كهذه؟
من بين كثيرين تنطحوا للإجابة عن هذه الأسئلة، يظل المثقف البولندي تشيسلاف ميلوش بكتابه «العقل الأسير» الذي صدر عام 1953، الأكثر عمقاً في مقاربته لإشكالية العلاقة بين المثقف والطاغية. واللحظة التي ظهر فيها الكتاب كانت في ذروة الحرب الباردة والصراع ما بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية. وميلوش شهد تحول الكثير من المثقفين- بين ليلة وضحاها- من مؤمنين بحرية الفكر والرأي إلى أسرى لمقولات الستالينية والحتمية التاريخية. واللافت للنظر أن ميلوش لم يتناول أولئك الذين استبدلوا قناعاتهم تحت وطأة التعذيب والإرهاب، بل تناول أولئك الذين عانقوا أفكار الطغيان طوعاً. النواة الصلبة التي حفر ميلوش عميقاً كي يصل إليها كانت في ضرورة النظر إلى الإنتاج الفكري للمثقف في مطلع حياته، والكيفية التي قادته بها إلى مقاصده النهائية وتحديداً خياراته السياسية. وقد تناول أربعة وجوه للمثقف، «ألفا» الأخلاقي، «بيتا» العدمي، «جاما» أسير التاريخ، و«دلتا» الشاعر الرومانسي. ليأخذ بعدها بالغوص عميقاً في تفكير كل منهم وشخصيته كي يظفر بعلّة انحرافهم. إن ذلك الكتاب سيظل محتفظاً بحيويته وأهميته طالما ظل الطغاة والطغيان ظاهرتين ملازمتين للمجتمع الإنساني.






أضف تعليقك