الحياة ومعناها
![]() |
كما تشير المقدمة الثابتة لهذه الصفحة، والتي تقدم تعريفاً بالصفحة، وفي الوقت عينه تشكل بوصلة للكاتب يهتدي من خلالها إلى الوجهة التي يجب أن تمضي إليها كتاباته. فإن الحديث عن الذات وبعض خبراتها يظل أمراً في غاية الصعوبة. أولاً: لكون المرء لا ينظر إلى الوراء إلا في لحظة تُلحق به الحياة أمراً عظيماً، أو يتراءى له بأنه قد أفضى بنفسه إلى نهاية يشقّ عليه التعامل معها. وهكذا يغدو من المعتاد أن ينظر المرء إلى الوراء وإلى ما انصرم من سني العمر وأيامه علّه يظفر بتسلسل منطقي للأسباب التي أوردته نتيجة كتلك التي أمسى نفسه عالقاً بها.
ثانياً: يعود المرء بتفكيره ومشاعره إلى ما طواه التاريخ من فصول الحياة حينما يرهف السمع لدقات ساعة الرحيل، ويبصر الستارة الأخيرة لحياته وقد ارتخت حبالها وأوشكت على أن تسدل، فيقوم آنذاك بجردة نهائية يبوّب فيها الوجوه والشخوص، ويصنّف من خلالها حلو الحياة ومرّها.
مع ذلك، فإن الحياة حَرية بألا ينظر إليها بخواتيمها وبموازين النجاح والإخفاق فيها، بل إلى الطريقة التي تُعاش بها. ففي ظني أن البشر على إطلاقهم يعيشون الحياة بطريقتين؛ منهم من يجد نمطاً معيناً من طريقة العيش وأسلوب للحياة يتشاطره أفراد مجتمعه، وما عليه سوى أن يحذو حذوهم ويبحر في الحياة وقد أسلم أشرعة العمر للريح السائدة. وهذا الصنف من البشر قد يوسم بالعقلانية أو التقليدية وغير ذلك. في حين أن هناك صنفا آخر ينظر إلى الحياة على أنها رواية، أو قصة للفرد، تنطلق من بداية وتتطور حبكتها وتتشابك أحداثها إلى أن تصل خاتمتها، هؤلاء ما يميزهم عن سواهم أنهم يرغبون في أن يكتبوا بأنفسهم قصة حياتهم بعناوينها العريضة وتفاصيلها الدقيقة. فهم يأنفون الإبحار مع الريح المواتية، ولا يتنكّفون وهم يخوضون مياه العمر عن معاندة التيارات الجارفة، قوتهم تتدفق من روحهم المتوثبة وخيالهم الخصب. وقد يذهب البعض إلى القول بأن الصنف الأول هو من يقدم للحياة تطورها التدريجي، ويكسبها ضرباً من الاستقرار، في الوقت الذي يعدّون به الصنف الثاني ناظرين، على الدوام إلى الحياة بوصفها ميداناً للتغيير والتجريب، ولكن هل من المصادفة أن يكون الفلاسفة والشعراء والعشاق من هذا الصنف؟
بالطبع، فمن يسير على الدروب غير المطروقة يستقر في أعماق نفسه اليقين بكونه معرّضاً إلى تذوق ذل الفشل، وأن يتجرع- أحياناً حتى الثمالة- كأس الانكسار، ولكن تلك الاحتمالات التي تتزايد طرداً مع إيغاله في مكابدة الحياة هي ذاتها التي تلقي في أعماق نفسه ما جهد البشر في البحث عنه، معنى الحياة.






أضف تعليقك