السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

أساطير نعيش بها وتقتلنا



الجمعة, 18 يوليو 2008

يتبدى أن الإنسان مهما تقدم به الزمان لا يملك القدرة على نبذ الأساطير والفكر الأسطوري، أو أقلها بعضاً من خصائصه. فالأسطورة كمحاولة تفسير بدائية للطريقة التي تقع بها الأحداث في العالم الموضوعي تكتسي قوتها من بدائيتها وسذاجتها تلك. فيلوح وكأنها إنما تحتفظ بصدقها وعمق معناها من الاعتقاد بأنهما يكمنان خلف تلك البدائية والسذاجة، وبأن ليس ثمة طريقة أخرى للتعبير عن تلك الحقيقة الكامنة عميقاً في جوف الأسطورة سوى بأسلوب كهذا.

ولا يمكن للمرء إلا أن يتوقف عند قدرة الأساطير على التمدد إلى الدرجة التي تجد فيها بكل يسر طريقها إلى العقول التي تتبنى فكراً علمياً مثلما تنسلّ وتستوطن عقول العامة، فالمرء بوسعه أن يدرك المغزى الأخلاقي الذي يكمن وراء بعض الأساطير كتلك التي يزخر بها الفكر اليوناني القديم، أو التراث البوذي، ولكن من الصعوبة بمكان فهم انقلاب الأساطير في بعض المجتمعات إلى حقائق لا يأتيها الباطل، بل وقد تمضي بعيداً لتغدو مدماكاً رئيساً في الوعي الجماهيري. وغني عن القول إن أبناء مجتمعات كهذه ينتهون إلى إبصار العالم وأحداثه بطريقة أقل ما يمكن وصفها بالعظامية!

في عالمنا العربي ترعرعت أجيال متتالية على كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» الذي يعد أسطورة دفع العالم العربي ثمن احتضانها زمناً مديداً. فذلك الكتاب- كما تبين الأبحاث التاريخية لأكثر من جهة– قد تم وضعه من قبل استخبارات روسيا القيصرية، وتولى إعادة طباعته فيما بعد دار النشر التي أصدرت كتاب «كفاحي» لهتلر، والكتاب يكشف بالتفصيل اجتماع بعض اليهود في إحدى الليالي في المقبرة اليهودية بمدينة براغ التشيكية ووضعهم الخطوط العريضة لخطة محكمة تجعل اليهود يحكمون سيطرتهم على العالم!!

وقد تم توظيف الكتاب في بعض الصراعات الدائرة بالمجتمعات الأوروبية، ومن بينها قضية الضابط اليهودي ألفرد دريفوس التي شغلت المجتمع الفرنسي وألحقت الشقاق بكافة مؤسساته بما في ذلك المؤسسة العسكرية ذاتها التي انتمى إليها دريفوس. ولئن كادت تلك الفتنة الدينية أن تحرق فرنسا بأكملها إلا أن مثقفي فرنسا آنذاك، مثل زولا وأناتول فرانس ومارسيل بروست وليون بلوم، أصدروا بياناً صكَّ للمرة الأولى مصطلح مثقف وأعاد للمجتمع عقلانية كادت أن تتلاشى في الجو الخانق للكراهية.

شتان ما بين الطريقة التي تعامل بها الأوروبيون على نحو عقلاني ونقدي مع ذلك الكتاب المزعوم وبين تثبيتنا له كبوصلة هادية في الصراع مع عدو أقل ما يمكن أن يقال عنه اعتماده العلم والحقائق منظارين يبصر بهما العالم كما هو كائن!

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.