السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

ألمانيا: الأتراك الأبرز والأكثر عدداً.. والصرب يتفوقون من حيث القدم



Sunday, 20 يوليو 2008
اعداد: مالك عسّاف

اندماج وتأقلم في المجتمع الالماني
تجمع للجالية الصربية (أرشيف)

يعيش قرابة 60 ألفاً من الصربين في إقليم لوساتيا على ضفاف نهر «سبري»، وهم من بقايا السلافيين الذين احتلوا تلك الأرض بعد أن نزح عنها الألمان منذ 1400 سنة. ويصفون أنفسهم بأنهم مواطنون مسالمون وأوفياء للملك والدولة على حدٍّ سواء.

لكن في الوقت الحالي هناك موجة من الغضب تقض مضجع الصربيين، وذلك بسبب إقدام الحكومة الاتحادية على اقتطاع 600 ألف يورو من التمويل السنوي الذي تقدِّمه للمؤسَّسات الثقافية التابعة لهم والذي يُقدر بـ8.2 مليون يورو. على إثر ذلك ولأول مرة في التاريخ قام 500 سوربي بالتظاهر خلال مايو (أيار) الماضي في برلين. تقول ماريا ماتشي، وهي مديرة إحدى دور النشر الصربية: «إن من واجب الدولة مساعدة الثقافة الصربية على البقاء والاستمرار».

بشكلٍ عام تفضِّل الدولة الألمانية الاندماج بين الأقليات، لأن هذا من شأنه أن يساعد الأتراك والمهاجرين الآخرين على أن يشعروا بأن ألمانيا هي وطنهم الأم. بيد أن الصربيين هم من بين الأقليات الأربع التي تتمتع بهويات ذات خصوصية ثقافية ينبغي الحفاظ عليها، علماً أن الحكومة الفدرالية تؤكد بأنها ليست في وارد التهرب من هذه المسؤولية، وبأن هذا الأمر لا يعدو كونه نوعاً من ترشيد الإنفاق. على أية حال بعد قرابة ألف عام من «الألمنة» المستمرة، يبدو للعديد من الصربيين أن هذا الاقتطاع في التمويل هو أشبه بالضربة القاضية.

حقوق حصرية

كان النازيون يعتقدون أنهم من العرق الآري، وأن تحدُّثهم بلغة سلافية حدث عن طريق الخطأ. ولتصحيح ذلك الخطأ قاموا بطرد رجال الدين والمعلمين الصربيين. هذا ولم تكن ألمانيا الشرقية أفضل حالاً من شقيقتها الغربية إلا بقليل. فهي أنشأت المراكز الثقافية الرئيسية، لكنها قامت بتدمير عشرات القرى الصربية من أجل الوصول إلى موارد الفحم في لوساتيا. لكن في المعاهدة التي أدَّت إلى توحيد الألمانيتين في العام 1990 تم الاعتراف بالحقوق الحصرية للصربيين؛ كما تم إنشاء مؤسسة لتمويل المعاهد الصربية. ثم جاءت بعد ذلك أزمات البطالة، وانخفاض معدل المواليد وهجرة الشباب، التي «كانت بمثابة ضربة قاسية للصربيين»، حسب وصف جانينا كروغر، ربة الأسرة الوحيدة الناطقة باللغة الصربية في منطقة فوجيشك قرب مدينة باوتسن.

توجد للصربيين لغتان: الصربية السفلى والصربية العليا؛ حيث يتحدث نصفهم تقريباً بهاتين اللغتين. لكن الذين يتحدثون بالصربية السفلى قليلون جداً، كونها لم تعد دارجة إلا بين السكان الأصليين في منطقة براندنبيرغ. أما الصربية العليا فيتحدث بها قرابة 25 ألف من الصربيين الذين يعيشون في محيط منطقة باوتسن، ومعظمهم من الكاثوليك الذين كانت الصدفة التاريخية المنقذ الوحيد لهم من خطر الذوبان في الهوية الألمانية. إذ كانت القرى التي يعيشون فيها تعود لأحد أديرة الراهبات الذي تولى مسؤولية الحفاظ على دينهم وثقافتهم بعد أن قامت ساكسونيا البروتستانتية بسلخ المنطقة التي كانت توجد عليها تلك القرى عن بوهيميا في العام 1635. يقول ميركو شميدت، مدير المدرسة الابتدائية الصربية إن نسبة الذين يذهبون إلى الكنيسة أسبوعياً من سكان كروشتفيتز هي أعلى من نسبة الذين يذهبون إليها من ولاية بافاريا، مسقط رأس البابا. وتُعد الصلبان المذهَّبة والمزخرفة من أبرز الأشياء التي تزيِّن هذه المدينة. هذا ويتوقع ديتريش سولتا، مدير المعهد الصربي، بأن تتمكن الهوية الكاثوليكية الصربية من الحفاظ على خصوصيتها خلال الـ100 سنة القادمة.

يريد الصربيون الحفاظ على كل شيء؛ حيث إن وجود لغتين يتطلب وجود نسختين من البرامج الإذاعية والصحف والكتب. وبما أنهم ورثة أدبٍ وفولكلورٍ شعبي، فإنهم يحتاجون أيضاً إلى مسرح. يقول رئيس تحرير صحيفة «سروبيسكي نوفيني»، التي تصدر باللغة الصربية العليا: «صحيحٌ أن أعدادنا تتناقص، لكن نوعية ثقافتنا في تطور وارتقاء دائمين».

على أية حال الميزانية المخصصة لدعم حياة الصربيين أعلى بكثير من الميزانيات المخصصة للأقليات الأخرى، مثل الرومان (أي الغجر) والدانماركيين والفريزيين. وقد اتهمت هيئة تدقيق الحسابات الفدرالية المؤسسة الصربية بإهدار الأموال والعجز عن تقويم إنفاقها، لأن الثقافة والتعليم، حسب قولها، يجب أن يكونا جزءاً من مسؤولية الولايات وليس الحكومة الفدرالية. لكن الصربيين يقولون إن هذا غير عادل؛ فالدانماركيون لديهم وطن ينتمون إليه، والرومان مشتتون في كافة أنحاء العالم، أما الصربيون فهم عبارة عن قومية بلا وطن.

لكن معظم الصربيين سعداء بكونهم مواطنين ألمان؛ والعديد منهم يحلمون بأن تكون لوساتيا وطناً يتكلم فيه الأطفال اللغتين الصربية والألمانية بنفس المستوى من الطلاقة. لكن الاقتطاعات من الموازنة المخصصة للصربيين لم تدفعهم للدفاع عن الحقوق الحصرية التي يتمتعون بها وحسب، بل أيضاً عن هويتهم. يقول زوج السيدة كروغر: «سوف نستمر بالبقاء طالما نحن نريد ذلك». ربما تكون الحكومة قد ساهمت في بلورة تلك الرغبة.

عن: «الإيكونوميست»

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.