طب الأعماق يغرق في بحر الجهل والموازنات المحدودة
![]() |
طب الأعماق تخصص نادر عرفته أول ما عرفته العاصمة السوفييتية «روسيا» قبل نحو 150 عاما، وأجرى العلماء الروس الدراسات اللازمة لأغراض عسكرية في البداية ثم اكتشفوا إمكانية علاج بعض الأمراض المستعصية عن طريق العلاج تحت ضغط عال، وبعدها تنبهت الولايات المتحدة ودول أوروبا لهذا العلم إلا أنه يتقدم في دول العالم الثالث على استحياء.
وينقسم طب الأعماق إلى فرعين رئيسين هما قسم علاج حوادث الغطس، وقسم العلاج بالأكسجين تحت ضغط مرتفع، أما عدد الأطباء الذين درسوا وتخصصوا في هذا الفرع في مصر (أو في أي دولة عربية) فما زال يعد على أصابع اليد، وكذلك عدد الغرف اللازمة للعلاج بهذه الكيفية، ومع ذلك فالنتائج مبهرة والحالات الصعبة التي تم علاجها تجعلنا نندهش ونتساءل لماذا لا يحظى طب الأعماق بالإعلان والاهتمام الكافيين من المسؤولين عن صحتنا؟!
الغرفة المخصصة لعلاج حوادث الغوص أو العلاج بالأكسجين تحت ضغط مرتفع تشبه في تصميمها الغواصة وقد دخلها رؤوساء دول ومشاهير لتلقي العلاج اللازم. يقول استشاري طب الأعماق الدكتور هاني خليل: الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان يسافر إلى روسيا كل فترة ويخضع لجلسات في هذه الغرفة لكن التفاصيل لا نعرفها بدقة، ومن المعروف ان المغني مايكل جاكسون يمتلك غرفة في بيته وعندما أصيب اللاعب الانجليزي «وين روي» بكسر في عظمة دقيقة بالقدم لم ينقذ المنتخب الانجليزي المشارك في بطولة العالم من الورطة سوى العلاج في هذه الغرفة تحت ضغط عال وعاد اللاعب سليما معافى وشارك في البطولة.
- لنتحدث أولا عن حوادث الغوص وأسبابها خصوصاً أن الشباب في دول الخليج مغرمون بالغطس ويتوارثون هذه الهواية أبا عن جد منذ أيام البحث التقليدي عن اللؤلؤ بالغوص من دون أدوات.
أي شخص يستطيع أن يمارس رياضة الغوص في السن من 14-65 عاما وكل ما عليه أن يتجه لمدرسة غوص وهي منتشرة على ساحل البحر الأحمر وخصوصاً في مصر وسيجري كشفا طبيا أوليا ثم يدرس «كورس» ويبدأ الغطس. لكن المشكلة أن الأجانب الذين لم يعتادوا حالة الجو الحارة لا يشربون ماء بشكل كاف ويفقد الدم السوائل ويصبح مع الوقت مركزا مما يسهل انسداد الأوعية الدموية بفقاقيع النتروجين الموجود في إسطوانات الهواء الذي يتنفسه الغطاس (نسبة النتروجين في تلك الاسطوانات عادة ما تكون 78 % والأكسجين 22 %) وإذا حدث الانسداد في مناطق محددة قد يسبب عاهة مستديمة أو شللا أو وفاة. ودور طب الأعماق هو سرعة التعامل مع هذه الحالات وضغط فقاعة النيتروجين حتى نحرر الوعاء الدموي منها.من الممكن أيضا أن يتسمم غواص من جرح زعنفة سمكة سامة مثل سمكة الصخرة أو «الستون فش»، وسمها يقارب سم العقرب في الخطورة ولابد من ترياق سريع لإنقاذ الغواص، وقد تهاجم سمكة قرش مثلا غواصا ويتحتم علينا علاجه على الفور.
لا للبتر بعد الآن
سألت استشاري طب الأعماق عن الأمراض التي أسهم هذا التخصص في علاجها وعجزت أفرع الطب المعتادة عن التعامل معها، فقال: حالات الغرغرينا أوضح مثال فقد يرى الجراح أنه لابد من بتر عضو أو طرف أو جزء منهما لتغلغل الغرغرينا فيه ويرى اختصاصي طب الأعماق أن العلاج بالأكسجين تحت ضغط معين يجنبنا البتر.
وهذا الأمر شائع مع مرضى السكري في مراحله المتقدمة وكذلك يعالج هذ التخصص حالات التسمم بالغازات كالسيانيد وأول وثاني أكسيد الكربون ويعالج من تعرض لإشعاع قوي سبب احتراق أنسجة ما وفي إنجاح عمليات التجميل وسريان مفعول المضاد الحيوي والشفاء من كسور والتهاب العظام المزمن والأهم من كل هذا أن العلماء اكتشفوا أخيرا أنه يدخل في علاج مرض خطير مثل الالتهاب المتعدد في جدار النخاع الشوكي والمعروف باسم «إم إس» والذي يحدث تآكلاً -غير معروف الأسباب- لجدار النخاع الشوكي وكأن الجسم يهاجم نفسه فيسبب عدم وصول الإشارات الكهربائية من المخ إلى الأعضاء، فيحدث فقد في الوظائف الحيوية مثل الإبصار أو السمع أو الحركة وقد تحسنت حالات هؤلاء المرضى بدرجة كبيرة وأمكن وقف التآكل لكن خلايا الأعصاب التي ماتت لا يمكن تعويضها طبعا.
لكن ما الذي ينقصنا لنكشف عن هذا التخصص للمواطن العادي، ونعالجه من الأمراض التي تفتك به تحت سمع وبصر الطب التقليدي؟
سألت الدكتور هاني فأجاب: ينقصنا الأطباء المؤهلون ولك أن تعرف أن في مصر ثمانية فقط تخصصوا في هذا الفرع ودرسوه في معهد الطب البحري التابع لجامعة الإسكندرية ثم في ألمانيا وأميركا ،كما ينقصنا الآلة نفسها وهي مكلفة فالغرفة التي تسع 12 مريضا تتكلف نحو 600 ألف يورو، وأخيرا ينقصنا أن تضم الجامعات أقساما في كليات الطب لتدريس هذا الفرع.
أطراف لم تعد تتساقط!
محمد إبراهيم حلمي طفل في الصف الرابع الابتدائي في مدينة السويس زرناه في بيته بحي الكويت، رأينا ما تبقى من أصابع كفيه وقدميه بعد أن فقد بعضها بسبب مرض فشل كل الأطباء -حتى الآن- في تشخيصه، استمعنا إلى والديه فعرفنا أن علاجه أخيرا في مستشفى طب الأعماق في الغردقة أتى بنتيجة غير متوقعة! تقول الأم: أخذ محمد عشر جلسات فقط وبعد أسبوعين سيأخذ عشرا أخرى ولاحظنا اندمال الجروح التي كانت لا تلتئم بل أصبح يشعر بباطن قدميه وكان قد فقد الإحساس بهما، والتحاليل توضح أن نسبة الهيموجلوبين ارتفعت ولم تعد الأنيميا تهدد حياته والفضل لله ثم لمن دلنا على هذا العلاج.
ويقول الأب (موظف في إحدى شركات البترول) محمد مريض بهذا المرض المجهول منذ أن كان طفلا في الخامسة وكانت أصابعه تتورم فجأة وتلتهب بشدة ثم يسقط اللحم وبعده عقل الأصابع حتى فقد من كفيه وقدميه أربع أصابع وتوجهنا إلى المراكز الطبية والمستشفيات وأطباء الأطفال والجراحة ووصل الأمر لتغيير دم محمد كله ودفع جرعات من المضاد الحيوي لا يتحملها حصان في جسده (5 آلاف وحدة في الجرعة) بلا فائدة حتى دخل مركز العلاج بالأكسجين في مركز طب الأعماق ونسأل الله أن يستمر التحسن وينقذ ابننا من الهلاك.
قائمة انتظار
مدير مركز طب الأعماق في الغردقة الدكتور حسام ناصف يعلق على الطفرة التي يحدثها هذا التخصص بقوله: هناك قائمة بها أسماء 20مرضا تم تأكيد علاجها عن طريق طب الأعماق بعد أبحاث ودراسات لا يرقى إليها الشك (كالتي تقوم بها منظمة الغذاء والدواء الأميركية) لكن للأسف إقبال الأطباء على هذا التخصص ضعيف والسبب أن فرص عملهم قليلة في ظل عدم توافر غرف العلاج وهي مكلفة لكن ليست خارج قدرات المؤسسات الطبية الكبرى في أي بلد.
- كم طبيبا يتخرج في معهد الطب البحري ويتخصص في طب العماق؟
- هل أدهشك إذا قلت لك: شخص واحد فقط كل عام؟!
بالطبع جاءت الإجابة مدهشة ولكن ما أدهشني أكثر هو قوائم انتظار المرضى الذين تأكد أن علاجهم لن يتم إلا بجلسات في غرف طب الأعماق وبلغ الانتظار في معهد ناصر التابع لوزارة الصحة المصرية تسعة اشهر، في حين أن الغرفة المجهزة التابعة لوزارة الداخلية لا تستخدم إلا قليلا!
مدير مركز طب الأعماق في مدينة شرم الشيخ الدكتور عادل طاهر أشار إلى أن جمعيتين عالميتين أخذتا على عاتقيهما تعريف ونشر هذا التخصص والكشف عن الأمراض التى يمكن الشفاء منها عن طريقه وهما جمعيتاUSHCS and EUPS
ويضيف في دول متقدمة مثل ألمانيا هناك 88 مركزا للعلاج بالأكسجين تحت ضغط عال، لكن في الدول العربية مجتمعة لا نجد نصف هذا الرقم مع أننا متقدمون جدا في مراكزنا المتوافرة حاليا وفي مركز مثل الموجود في مدينة شرم الشيخ نلنا سمعة دولية ممتازة بفضل عدد الحالات التي عالجناها (1200 حالة) وهو رقم كبير لأننا على ساحل يزوره هواة الغطس على مستوى العالم وكنا من قبل إذا تعرض أجنبي لحادث غطس ننقله إلى إيلات في فلسطين المحتلة وإذا كان مصريا قد يصاب بالشلل أو يتوفى لأنه لا يسعف بغرفة الضغط العالي.
وناقشت وزير السياحة السابق فؤاد سلطان في إنشاء غرفة بشرم ووافقني.
فأرسلت المعونة الأميركية التى اعتمدت 900 ألف دولار لإنشاء هذا المركز في العام 1995 ،كان التصميم مصريا والإدارة مصرية ودربنا 30 طبيبا من دول مختلفة على هذا التخصص وهناك حالات عالجناها من الكويت والسعودية ولبنان.
وعن الأمراض الخطيرة التي أمكن طب الأعماق علاجها قال الدكتور طاهر: يكفي أن اقول لك إن نسبة الشفاء من خراج المخ كانت20% أصبحت بفضل طب الأعماق 80%، أيضا تسوس العظام وأنواع من الأنيميا والقدم السكري وغيرها كثير من الأمراض ثبت الشفاء منها على يد هذا العلم المجهول بالنسبة للكثيرين.






أضف تعليقك