أنتونيو غاودي .. أبرز روّاد الحركة الكلاسيكية الحديثة
![]() |
أنتونيو غاودي (أرشيف) من أعماله المعمارية
يعد أنتونيو غاودي واحدا من أبرز رواد الحركة الكلاسيكية الحديثة، كما يعتبر أيضا من أبرز المعماريين العالميين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واعتبر النقاد عمارته مؤشرا على مرحلة مهمة لتطور العمارة الحديثة في أوروبا، غاودي فنان ومعماري من كاتالونيا في الجنوب الاسباني درس الفن الإسلامي، خاصة العمارة الأندلسية وعمارة المدجنين «المسلمين الذين بقوا في أسبانيا بعد خروج العرب منها»، كما اطلع على بعض الكتب التي تحتوي على رسوم وتصاميم طراز العمارة القديمة، لهذا فإن المحللين لأعماله يذكرون بأن العمارة الإسلامية والغوطية والباروكية هي الأساس في وجود عمارته، حيث استلهم منها أفكاره وخيالاته وتصاميمه، وتمثلت هذه التأثيرات بشكل واضح في ثلاثة أعمال له هي بلاط غوي، والنزوة، وبهو دي لا فينكا غوي.
أعماله
من الأعمال الخالدة له كنيسة العائلة المقدسة الواقعة في برشلونة، وكان هذا العمل الأسطوري هو عصارة تجربة وعبقرية غاودي، تتجلي في عدد من المبان من الطراز الغوطي الجميل وكذلك مع بعض العناصر المعمارية من طراز المدجنين. ومن الأعمال العمرانية الأخرى لغاودي، الكابريجو (1883) حيث يلاحظ بوضوح التأثيرات المعمارية الإسلامية واضحة فيه، وهي متمثلة بالمنارة القائمة على المدخل التي تشبه المنائر المشرقية التي تمتاز بشكلها الأسطواني والخوذة والشرفة المزخرفة بالمقرنصات، والمنارة مزينة بقطع مربعة من السيراميك وفيها رسم وردة عباد الشمس، وتتكرر هذه الزخرفة في كل أطراف العمارة، ويلاحظ أن غاودي قد جمع في هذه العمارة عدة أساليب من تأثيرات الحضارة المشرقية والغربية من جهة والحداثة والكلاسيكية والتجريد والواقعية من جهة أخرى، وقد نجح نجاحا كبيرا في التعامل مع هذه الأساليب وصَهرها في عمارة واحدة.
من العمارات الأخرى لغاودي، منزل بيثينس في برشلونة، حيث نرى مادة السيراميك تغطي جميع جدران المنزل حتى السياج كما لو أنه كان قد لبس ثوبا إسلاميا مزخرفا بالأشكال النباتية والهندسية وبألوان براقة جميلة، ومعروف أن السيراميك مادة قديمة استخدمها البابليون، ثم نقلها المسلمون إلى أسبانيا، واستخدمها المدجنون في عماراتهم في جميع أنحاء أسبانيا كما هو ماثل في عمارات مدينة ترويل، خاصة في معابدها وقصورها وشوارعها ومرافقها الحيوية الأخرى، اهم ما يميز منزل «بيثينس» لغاودي وجود المقرنصات والأقواس المتنوعة الأشكال والزخارف النباتية والهندسية كما لو أننا نشاهد قصر الحمراء في غرناطة، وقد اشترك غاودي مع الفنان المسلم الأندلسي في مسألة مهمة وهي أنهما لم يتركا مساحة في العمارة إلا وغطياها، وهو ما يعبَّر عنه عند المؤرخين العرب بـ«كراهية الفراغ»، لكن غاودي كان يتعامل مع العناصر الزخرفية النباتية والهندسية بأسلوب واقعي بينما نجد الفنان المسلم قد تعامل مع هذه العناصر بأسلوب تجريدي.
تأثره بالفن الإسلامي
كان غاودي أكثر انجذابا إلى عمارة المدجنين التي هي عبارة عن خليط من الفن الإسلامي وعناصر معمارية حديثة، مع بعض التقاليد الفنية المسيحية، ولكن نرى فيه الطابع الإسلامي هو الطاغي على الجميع، وأقرب مثال على ذلك ساحة مصارعة الثيران في مدريد وفندق لاريدو في مدينة الكلا هينارس، هذا التيار بدأ بالانتشار خلال القرن الثاني عشر واستمر إلى القرن التاسع عشر، وقد اعتبر هذا الطراز ضمن التراث القومي الأسباني الأصيل الذي لعب دورا مهما في حل أزمة العمارة التي اجتاحت أوروبا في ذلك الوقت، ورغم هذه التأثيرات الإسلامية فإن غاودي له عقلية كبيرة في الإبداع والخيال، وله أسلوبه المميز في العمارة الحديثة، فقد طور أقواس حدوة الحصان وجعلها أكثر انغلاقا كما هو واضح في مقهى تورينو في برشلونة، وكذلك اهتم بالفضاء الداخلي للمنزل كما في فيلا غوي وهي من تأثيرات المنزل الأندلسي ذي الصحن الداخلي ونافورة المياه، واستخدم غاودي أيضا الألوان القوية البراقة، وهو ما نجده في الفن الإسلامي وفي المنمنمات والمساجد وغيرها، كما تأثر بزخارف البسط والسجاد الإسلامي والنتوءات التي تظهر في شرفات المساجد وغيرها.
لم يكن غاودي هو المعماري الوحيد الذي تأثر بالفن الإسلامي وإنما هناك معماريون آخرون من كاتالونيا أيضا تأثروا بهذا الفن امثال خوسيب بويغ الذي صمم عمارة «أماتيير» التي تمتاز بوجود نوافذ تعلوها أقواس متنوعة الأشكال، كما ان الواجهة جاءت على شكل هرمي ذي خط منكسر يشبه إلى حد ما النتوءات القائمة على شرفات الأسوار أو المنائر المغربية والأندلسية وهي مزينة بقطع السيراميك الملون الجميل.
إن حضور أعمال غاودي العمرانية في برشلونة، وتأثيراته على ما بعده من المعماريين، قد حوّل المدينة إلى متحف تاريخي فني، فأخذت تستقطب ملايين السياح سنويا، حيث نجد عمارته وتأثيراتها شاخصة في كل زاوية وشارع وشرفة ونافذة وحتى مداخن البيوت، وقبل فترة احتفلت أسبانيا بمرور 150 عاما على ولادة غاودي هذا المعماري العالمي العبقري وصدرت عدة كتب عن حياته وأعماله كما أقيمت محاضرات ومعارض فنية عن رسومه وتصاميمه بالإضافة إلى عرض الأفلام الوثائقية، وسميت تلك السنة «السنة العالمية لغاودي».
{ مراجع
إشعاع حضاري إسلامي على عمارة إسبانية د.كاظم شمهود.






أضف تعليقك