تركيا تواجه خطر اتساع الهوّة بين الإسلاميين والعلمانيين
![]() |
مؤيدو العلمانية وخلفهم بوستر كبير لمؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك يتظاهرون ضد الأسلامين (أرشيف)
في 14 يوليو (تموز) أعلن مدعي عام إسطنبول أيكوت جنغيز إنغين عن توجيه اتهامات لمجموعة مكوَّنة من 86 شخصاً، تشتمل على ضباط وصحفيين بارزين، بمحاولة القيام بانقلاب ضد الحكومة التركية، وذلك عن طريق نشر بذور الفوضى من أجل إعطاء الجيش ذريعة للتدخل.
لكن في الوقت الذي تقوم فيه المحكمة الجنائية بدراسة ملف هذه القضية المكوَّن من 2455 صفحة من أجل التوصل إلى قرار حول ما إذا كانت ستسير في هذه القضية أم لا، نجد أن المحكمة الدستورية تنظر في قضية لا تقل خطورةً عنها مرفوعة ضد الحكومة ذاتها. فقد قام المدعي العام في تركيا بتقديم التماس للمحكمة كي تقوم بتجريم حزب العدالة والتنمية الحاكم ومنع 71 عضواً من أعضائه من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات -من بينهم رئيسه ورئيس الحكومة رجب طيب أردوغان- بتهمة محاولة تدمير النظام العلماني وإقامة دولة إسلامية في تركيا. وإذا ما تم التوصل إلى قرار، كما تشير التوقعات، ضد حزب العدالة والتنمية خلال شهر أغسطس (آب)، فإن هذا قد يجبر أردوغان على التنحي، كما سيجبر الحزب على القيام بإعادة لم الشمل تحت اسم جديد وقيادة جديدة من أجل المنافسة على الانتخابات من جديد.
تشير هاتان القضيتان المتعارضتان إلى وجود صراع أيديولوجي حثيث حول مستقبل تركيا. إذ تريد المؤسسة العلمانية في تركيا الحفاظ على الطابع الحديث لتركيا من خلال حماية مبدأ فصل الدين عن الدولة.. إلا أن حزب العدالة والتنمية، الذي يُعتبر الحزب الأكثر نجاحاً في تاريخ تركيا الحديث، هو حزب له جذور دينية، وقد وصل إلى السلطة بعد أن أصبح المزيد من المحافظين والمتدينين الأتراك يتمتعون بوزن سياسي.
لقد أدت هذه المواجهة القانونية إلى إقلاق المستثمرين، الأمر الذي لعب دوراً في هبوط المؤشر الرئيسي لبورصة إسطنبول بنسبة 40 بالمئة هذه السنة، كما أدت إلى ازدياد حدة الاستقطاب بين المبادئ الديمقراطية والمبادئ العلمانية.
يقول شاهين ألباي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باهجيسهير في إسطنبول: «إنه لوضعٌ خطير، فالذين يشعرون بأن نمط حياتهم مهدد بسبب وجود أغلبية إسلامية محافظة يفضلون العلمانية على التطبيق الكامل للديمقراطية، دون حسابٍ للنتائج التي يمكن أن تترتب على ذلك».
تركيا دولة ذات أغلبية مسلمة، لكن التوترات الحاصلة حالياً تدل على أن مجموعة أخرى من المعتقدات المتطرفة هي التي تؤثر على الساحة التركية. مبدأ علمانية الدولة تم تطبيقه في عشرينيات القرن الماضي على يد مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، من أجل تطهير الدولة مما كان يعتبره مؤشرات التخلف. لكن بالنسبة لقادة الجيش والأجهزة القضائية والمدنية أصبحت تعاليم أتاتورك بمثابة رخصة لشن الحرب على الإسلام السياسي. وقد فعلوا ذلك عبر انقلابات العام 1960 و1971 والانقلاب الهادئ العام 1997، وفرضوا الحظر مرات عديدة على الأحزاب السياسية الإسلامية. لكن خلال العقد الأخير بدت مثل هذه الانقلابات مستبعدة بعد أن اندمجت تركيا بالأسواق العالمية وأصبح اقتصادها أكثر ازدهاراً. الآن يخشى الكثيرون من عودة تلك الحقبة من عدم الاستقرار.
التوتر كان دائماً طاغياً على العلاقة بين القوى العلمانية وحزب العدالة والتنمية، الذي انتُخب لأول مرة في العام 2002. لكن منسوب العداء بين الطرفين ارتفع بشكلٍ ملحوظ منذ شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، عندما بدأ الحزب بالسعي لتعيين أحد أعضائه، وهو عبدالله غول، رئيساً للبلاد. وعندما اعترض الجيش، وجه أردوغان دعوة لإجراء انتخابات مبكرة ونجح بتعيينه. بعد ذلك قام الحزب بإجراء تعديل دستوري من أجل رفع الحظر عن ارتداء الحجاب في الجامعة. وبما أن الكثير من العلمانيين ينظرون إلى الحجاب على أنه رمزٌ سياسي لنمط حياة المسلمين، فإن ذلك التعديل، الذي رفضته المحكمة العليا خلال الشهر الماضي، أصبح مادة أساسية في القضية الموجهة حالياً ضد حزب العدالة والتنمية.
الحجج التي يسوقها العلمانيون ضد حزب العدالة والتنمية هي أنه ومنذ وصوله إلى السلطة لم تعد المناصب العليا في أجهزة الدولة تذهب إلا للذين يتمتعون بخلفية إسلامية. كما إن الإعلانات المصورة في الصحف أصبح يتم التلاعب بها عبر الفوتوشوب من أجل إضفاء طابع من الحشمة عليها. ومنذ فترة قريبة تعرَّض فريق جامعي للتجديف بالقوارب للضرب المبرِّح على أيدي مجهولين لأنهم كانوا يرتدون الشورت. وعلاوةً على ذلك انخفضت نسبة النساء العاملات، في عهد حزب العدالة والتنمية، من 29 بالمئة في العام 2000 إلى 22 بالمئة في العام 2006.
أما مؤيدو حزب العدالة والتنمية فيقولون إن الحزب لا يشجِّع التوجهات المحافِظة في المجتمع، بل هو يعكسها ضمن سياساته فقط. كما يقولون إن الحزب معارض لأحكام الشريعة الإسلامية، ويؤكدون على أن جدول أعماله التشريعي كان أكثر لبرالية وميلاً نحو الغرب من الناحية الاقتصادية مقارنةً بجدول أعمال خصومه العلمانيين.
حتى أن العديد من الأتراك الذين لا يؤيدون حزب العدالة والتنمية ينظرون إلى قعقعات العلمانيين الأخيرة بازدراء. يقول ألباي: «لا أحد يستطيع حظر الحزب الأكثر شعبية في البلاد. هذه نكتة. والأمر ليس له علاقة بالخطر المحدق بالعلمانية بقدر ما له علاقة بتوظيف الجيش لهذا الخطر من أجل تعزيز نفوذه داخل البلاد».
لن يؤثر حظر حزب العدالة والتنمية على المكانة التي يحتلها هذا الحزب ضمن قلوب الملايين من الناخبين الأتراك. وقد استقطب هذا التهديد بالحظر إدانة عالمية واسعة، كما ساهم في تباطؤ حركة الاستثمار الأجنبي وفي تراجع قيمة العملة التركية. على أية حال، حتى لو كان حزب العدالة والتنمية يشكل خطراً حقيقياً على نمط الحياة الذي ينتهجه الكثير من الأتراك، وحتى لو كان يريد فعلاً تعزيز دور الإسلام في الحياة السياسية التركية، فإن السيطرة على مثل هذه المخاوف تبقى أنسب الحلول. فإذا ما أقدم العلمانيون على تقويض المؤسسات الديمقراطية في تركيا باسم علاج الخطر الذي لم يتبلور بعد، فإن مثل هذا العلاج قد يكون أسوأ بكثير من المرض الذين يتخوفون منه.
عن «التايم»






أضف تعليقك