البريطاني مايكل ليفي: كدت أحقق السلام بين دمشق وتل أبيب
![]() |
غلاف كتاب «قضية شرف» (أوان) اللورد ليفي (يمين) أثناء أجتماعه مع الرئيس الراحل حافظ الأسد (أوان).
لندن - عمار الجندي
لعل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، كان يقول لنفسه فيما كان «تلميذه» النجيب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يفتح باب قصر الاليزيه قبل ايام لنظيره السوري بشار الاسد، ها هو التاريخ يعيد نفسه! لايزال من المبكر للغاية التنبؤ بنجاح الزعيم الفرنسي حيث اخفق «الاستاذ» الانكليزي قبل نحو 8 سنوات. لكن الدروس التي تعلمها، لقاء ثمن باهظ من «الاستخفاف» و«الاهانة» -حسبما قالت صحف بريطانية- في المؤتمر الصحافي الشهير الذي عقده مع مضيفه بشار في ختام زيارته التاريخية الى دمشق في اكتوبر (تشرين الاول) 2001، ينبغي ان تدفع ساركوزي الى الحذر من الاحلام الوردية بانجازات سريعة.
وتفاصيل قصة بلير مع الرئيس الاسد، ووالده الراحل من قبله، التي بدأت رسمياً في 1999، لاتزال في معظمها مجهولة. الا ان بعض خفاياها وجد طريقه اخيراً الى النور بفضل اللورد مايكل ليفي، المبعوث السابق لرئيس الوزراء البريطاني الى الشرق الاوسط من أواخر التسعينيات وحتى خريف 2007. فصديق حزب العمل الاسرائيلي الذي يملك فيلا قرب تل ابيب، يلقي شيئاً من الضوء على مفصل رئيسي في هذه العلاقة في كتابه الذي صدر قبل اسابيع تحت عنوان «قضية شرف».
انتهت علاقة اللورد ببلير في 1997 الى نهاية مخيبة، شبيهة بما آلت اليه صلات الزعيم السابق بالاسد الابن بعد زيارته الاولى والاخيرة الى دمشق والتي جاءت اثر كثير من المد والجزر والآمال الكبيرة في الكواليس الرسمية البريطانية ورحلات موفدين حاولوا جس نبض شاب خلف للتو اباه الذي حكم سورية ثلاثين عاماً.
فحين تكشفت فصول فضيحة «القاب الشرف لقاء المال» التي اتهم ليفي بانه كان بطلها، انقلب الود الذي بدأ بينهما في حفلة بالسفارة الاسرائيلية في لندن العام 1994، على حد تعبير اللورد اليهودي، الى شيء من «العداء» مع وقف التنفيذ.. فالرجل الذي كان المسؤول الاول عن جمع تبرعات للحزب الحاكم بلغت 15 مليون جنيه استرليني قبيل حملة انتخابات 2001، اعتقد ان بلير ضحى به لحماية نفسه.
صحيح انه يعترف للزعيم السابق بشخصيته الكاريزمية بامتياز، ويثني على مهاراته وذكائه الفذ. وفي المقابل،يتهمه بـ«الكذب» عملياً في غير مناسبة. ويبقى عموماً، في المديح والتهجم على بلير وغيره، متحفظاً، يكتفي بجانب من القصة الكاملة بدل ان يقولها كلها. والمثال الافضل على سياسة «الفم المطبق جزئياً» هذه هو روايته لسيرة العلاقات البريطانية – السورية. اذ يغض الطرف عن المساعي الحميدة التي بذلها مع الاسد الابن قبل وفاة والده وبعدها بريطانيون بارزون، ولابد انها ساهمت في اي نجاح ربما حققته مهمته. والادهى انه لايأتي على ذكر الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء السابق الى دمشق وعلى خاتمتها التي لم تكن من ذهب، بالنسبة لبلير على الاقل.
اما السبب في هذا التردد فهو ذو شقين، اولهما الرغبة في تبييض صفحته والرد على منتقديه الكثيرين. ولعل اشرس الانتقادات التي ادمت اللورد هي تلك الصادرة عن سفير لندن الاسبق في واشنطن السير كريستوفر ماير الذي وصفه بالساذج المغرور.
والشق الثاني، يتمثل في تسليط الضوء على مواهبه وامكاناته السياسية. وفي هذا السياق، يعترف بثقته بنفسه ويثني على قدراته بصورة مباشرة احياناً! ففي اطار روايته لقصة جهوده مع دمشق، يرسم لنفسه صورة الوسيط الماهر الذي استطاع في غضون اسابيع وزيارات ثلاث ان يبني علاقات وثيقة « مع اشد ثلاث شخصيات سياسية نافذة في دمشق» هي الاسد الاب والابن ووزير الخارجية وقتذاك فاروق الشرع. كما يسوق فقرة من مذكرة سرية وضعها موظفون في ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش ومفادها ان احد اسباب فشل الرئيس السابق بيل كلينتون تحقيق السلام بين دمشق وتل ابيب هي ان البيت الابيض حينذاك «اخطأ في عدم الاستفادة من تجربة اللورد ليفي».
وتوحي عباراته بالنشوة لدى الحديث عن الرئيس السوري الراحل الذي طلب رؤيته في زياراته الثانية حتى قبل ان يلتقيه الشرع وذلك «على غير العادة»، واصغى باهتمام الى شروحه عن السياسة الاسرائيلية «لانه (حافظ) لم يكن يثق بالتقارير التي تزوده بها استخباراته». وينقل بحماس مقطعاً عن سفير لندن لدى دمشق في تلك الايام باسيل ايستوود، جاء فيه ان ليفي صار «صديق العائلة (الاسد)...والرجل الذي قبله حافظ الاسد بحرارة على الوجنتين –هذه صورة سأحتفظ بها باهتمام في ذاكرتي».
ولاسباب عدة بينها هذا الاعجاب المزعوم، كشف الاسد للورد ليفي، حسبما يقول الاخير، عن اعتقاده بوجوب عقد مباحثات بين وفدين «رفيعي المستوى» من دمشق وتل ابيب، وذلك بقصد «الاتفاق على الاسس» و«الاجندة» لعملية سلميّة. ويشير الى ان الرئيس الراحل اوضح ان المفاوضات لاينبغي ان تتم بين «الرئيس ورئيس الوزراء الان، ولكن نعم (ينبغي ذلك) في النهاية» ما يعني انه كان مستعداً للاجتماع برئيس الوزراء الاسرائيلي. والاهم ان هذا «الكشف» جاء، حسب ليفي، قبل ابلاغ الرئيس السوري الاميركيين بموقفه هذا الذي مهد لمباحثات شيفردزتاون بين وفدين ترأسهما باراك والشرع.
واللافت ان اصرار الاب قبل عشر سنوات على التمهيد للمفاوضات باتفاق على الاجندة، هو نفسه تقريباً مايؤكده الابن، الرئيس الحالي بشار، لدى الحديث عن لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت.
وحتى هذا الاحتمال الذي يعتقد ان أنقرة عازمة على ترتيبه و يدور حوله الكثير من التكهنات والتقولات، له حصة من اهتمام ليفي. فاللورد يسرد بعض ذكرياته عن لقاءاته مع الاسد الاب وعينه كما يبدو على الاسد الابن.
هكذا يفسراللورد سعي الرئيس الراحل الى التوصل سريعاً الى سلام مع تل ابيب اواخر 1999 بالرغبة الى «اعادة كل الاراضي التي ضيعتها سورية (في حرب 1967 حين كان وزيراً للدفاع)... ولادراكه ان ابنه بشار اذا اراد حين يصبح رئيساً ان يؤمن صفقة سلام مقابل الارض فهو سيحتاج الى بضع سنوات قبل ان يحوز القوة والامن والثقة بالنفس قبل المغامرة باعادة فتح قناة دبلوماسية كهذه محفوفة بالمخاطر السياسية». حين يقرأ المرء هذه الكلمات، قد يشعر بان ليفي يقول له: لقد اصبح الاسد الابن جاهزاً لخوض هذه المفاوضات برعاية تركيا فهو يحكم سورية منذ 8 سنوات.
وليفي يثني على الاسد الأب ودهائه والتزامه بوعوده، وعلى الشرع.. ويعتبر، بطريقته المجاملة والمترددة نفسها، ان باراك كان سبب فشل محادثات شيفردزتاون العام 2000 لانه اطلق تعهدات في البداية عجز عن تنفيذها لجهة اعادة الجولان المحتل الى سورية ثم تراجع عنها «لخشيته من تداعيات سياسية في البلاد (اسرائيل)».
اما عن الرئيس الحالي، فيقول بفخر انه كان «اول موفد اجنبي» يسمح له برؤية الشاب الذي كان والده قد قرر تسليمه السلطة من بعده. وفي سياق روايته لحكاية هذا اللقاء الاول اواخر نوفمبر ( تشرين الثاني) 1999، بدعوة من الرئيس الاب نفسه، يكشف مبعوث بلير عن جانب طريف للمناسبة. اذ يذكر أن «الاجتماع استغرق وقتاً لايقل عن وقت المحادثات مع الرئيس (الاب)، وانتهت في وقت متأخر للغاية الى درجة انه كان لابد من الغاء العشاء الرسمي الذي خطط السوريون لاقامته لي».
بين التفسيرات التي يمكن التفكير بها لهذه «الحقيقة» هو ان الجانبين انسجما بعضاً مع بعض. واذا اضفنا ذلك الى الثناء الذي اغدقه «صديق العائلة» هذا على نائب الرئيس السوري وعلى الزعيم الراحل، فضلاً عن الضوء الذي سلطه على مهاراته التفاوضية، ألا يمكن ان يكون ليفي طامحاً الى لعب دور جديد في عملية السلام السورية- الاسرائيلية؟
اصدقاؤه في حزب العمل الاسرائيلي باتوا شركاء اقوياء في السطة في تل ابيب، وهو «متقاعد» حالياً تردد ان ثمة اتصالات جديدة تمت بينه وبين بعض اقطاب حزب المحافظين المعارض. فمن يدري اذا كان اصحاب العلاقة او اصدقاؤهم، سيلجأون الى اللورد للاستفادة من تجربته بوصفه «خبيراً»، له باع طويل كما يواصل تذكيرنا في كتابه، في شؤون السلام السوري- الاسرائيلي؟






أضف تعليقك