السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

سياسات الحوار الديني



الخميس, 24 يوليو 2008
عبد الله السيد ولد أباه

في مدريد حيث كنت الأسبوع المنصرم، حضرت المؤتمر العالمي للحوار الديني الذي التئم برعاية العاهلين السعودي عبدالله بن عبدالعزيز والإسباني خوان كارلوس، وبمشاركة عدد مهم من رجال الدين من مختلف المعتقدات والملل. وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات والملتقيات التي تناولت العلاقة بين الديانات، الا أن مؤتمر مدريد تميز بخصائص أربعة تستدعي وقفة انتباه، نشير إليها باقتضاب:

أولا: عدل المؤتمر عن نهج المناظرة العقدية واللاهوتية الذي غالبا ما طبع الحوارات السابقة، وهو نهج عقيم يفضي إلى الصدام المواجهة باعتباره يتعلق بالمسلمات الإيمانية التي لا تقبل الجدل، وليست مدار حوار ممكن. والمعروف أن هذا المسلك هو الذي طبع الحوارات بين المسلمين والمسيحيين في العصور الوسطى، مما درسه ببعض التفصيل الباحث التونسي عبدالمجيد الشرفي في كتابه حول الردود الإسلامية على الكتابات المسيحية. وإذا كان ثمة نهج مغاير يتمثل في البحث عن سمات التقارب وأوجه التكامل والتشابه، إلا أن هذا النهج لا يتجاوز في الواقع حدود المجاملة والدبلوماسية، ويحجب الإشكالات الفعلية المتعلقة بمصاعب التعايش بين أصحاب الديانات والمنتسبين إليها.

ثانيا: على الرغم من أن مناقشات المؤتمر تركزت حول البحث عن القيم المشتركة وأوجه التعاون الممكنة، إلا أن المسألة السياسية فرضت نفسها على المؤتمرين. وهي تتلخص في موضوعين لم يكن بالإمكان تحاشيهما على الرغم من حرص الجميع على تجنب منطق المواجهة والصدام، وهما: العنف الديني لدى المسلمين والاستيطان الصهيوني في فلسطين.

أما الموضوع الأول، فقد طرحته بعض الشخصيات اليهودية والمسيحية بتلميح مبطن أحيانا، وبصراحة معلنة أحيانا أخرى، انطلاقا من إحساس متنام أن رجال الدين المسلمين لا يبذلون الجهد الكافي لمحاربة نزعات التطرف المسؤولة عن موجة الإرهاب العاتية التي استهدفت البلدان الغربية الكبرى في الأعوام الأخيرة. وإذا كانت لم تبرز النغمة العدائية الفجة للإسلام التي تفسر العنف الراديكالي بأسباب عقدية ومعيارية تعود للمرجعية النصية الإسلامية ذاتها، إلا أن هذه الخلفية لم تكن غائبة تماما في بعض التلميحات والإشارات، وقد طفحت في الخطاب الداعي الى إصلاح الاختلالات المتعلقة بالنظرة للآخر وإن راعت أدبيات الحوار الذي لم يخرج إجمالا عن اللياقة والهدوء.

أما الموضوع الثاني فطرح نفسه بقوة، وكاد يفجر إحدى جلسات المؤتمر، عندما رفض أحد الحاخامات التمييز بين النظرة النقدية للصهيونية بصفتها ايديولوجيا عنصرية عدوانية، معتبرا أنها تجسد الموقف اليهودي الثابت من «أرض الميعاد»، ما جلب امتعاضا واسعا في القاعة.

ثالثا: يحسب للمؤتمر أنه انفتح على رجال الدين من المعتقدات الآسيوية (البوذية والهندوسية...) التي عادة ما تغيب عن مثل هذه الحوارات، على الرغم من كثرة المنتسبين إليها وطبيعة بنيتها الدينية المغايرة من حيث المنطلقات العقدية والسلوكية. ولا زلنا نحتاج إلى جهد كبير للانفتاح على هذه الثقافات العريقة التي كان لها أثر واسع لا يدركه الكثيرون على تراثنا الوسيط.

رابعا: يحسب للمسيحيين العرب الذين كانت مشاركتهم لافتة في المؤتمر أنهم كانوا أوفياء لأمتهم وثقافتهم العربية، وأثبتوا أنهم قادرون على أن يؤدوا دورا محوريا في الحوار الإسلامي مع الثقافات الغربية، بحكم انتمائهم للسياقين الحضاريين، ما يحتاج لجهد تفعيل واستثمار متصل. بقي القول إن هذا الحوار الذي لا غبار عليه ولا شك في جدواه وراهنيته، يصطدم حاليا بعائقين جوهريين لا بد من الوعي بهما، وهما من جهة هشاشة وضعف تأثير المؤسسة الدينية في الغرب، ومن جهة أخرى غياب إجماع داخل الحقل الإسلامي على أهمية ونجاعة الحوار مع الديانات والثقافات الأخرى. فبخصوص العائق الأول، لا بد من الإشارة إلى أن أجندة ورهانات الحوار بين الديانات ليست في ذاتها دينية، وإنما تتعلق بإشكالات سياسية واستراتيجية، دور رجال الدين اليهود والمسيحيين فيها محدود لضعف تأثيرهم في مراكز صنع القرار ودوائر بلورة الرأي العام. وبخصوص العائق الثاني، يتعين التنبيه إلى حجم الرفض الذي يواجهه الاتجاه الحواري الانفتاحي على الديانات الأخرى في بعض الدوائر الإسلامية الفاعلة، على الرغم من أن الكثير من أبرز علماء الإسلام ومفكريه حضروا مؤتمر مدريد، ودعموا علنا وبقوة، مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الشجاعة. سألت أحد العلماء البارزين الذين حضروا المؤتمر عن سبب غياب أحد نجوم العمل الإسلامي عن مؤتمر مدريد الذي دعي إليه، فأجابني بالقول«لقد آثر منطق السلامة من دون فعل على منطق المسؤولية مع التحدي... بيد أن الأمة تحتاج اليوم لشجاعة الحوار أكثر من جرأة المواجهة».

كاتب من موريتانيا

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.