وماذا عن الأسرى والشهداء اللبنانيين في سورية؟
ذهبت السكرة وجاءت الفكرة.. والسكرة هي سكرة بعضنا بـ«النصر الالهي» الجديد الذي حققه «حزب الله» على إسرائيل... كان «نصرا» مؤزرا في عرف الحزب ومن والاه، بدليل الاحتفال الصارخ في ألوانه، والاحتفاء الباذخ في حماسته بعودة الأسرى ورفات الشهداء، في صفقة لم تكن مجانية.. الأسرى ألبسوا البزّات الميليشياوية، في رسالة تمنين (من مِنّة) لهم ولعائلاتهم، وتفضّلا عليهم، والتوابيت صُفّت في نسق مضبوط، واختير من الألوان أزهاها وأسطعها، والمقاتلون المكلفون مراسم الاستقبال والنقل دُرّبوا على الحركة المتناسقة بدقة لإضفاء الهيبة والرهبة على المشهد الذي لم ينسَ منظموه أن يكملوه بالحشود البشرية المساقة سوقا ليظهر المشهد في الصيغة التقليدية: النازية - الفاشية - البعثية.
سريعا طارت سكرة هذه «الهمروجة»، لتحل محلها الفكرة الصادمة التي أعلنها بتلقائية وبساطة من دون أي بهرج لوني أو تدبيج كلامي مواطنون لبنانيون حتى النخاع: أمهات وآباء عجائز.. زوجات طال بهن الانتظار كثيرا.. أبناء وبنات شبّوا عن الطوق، ولم تكتحل عيونهم يوما بآبائهم المغيبين في السجون والمقابر السورية منذ أمد طويل يصل إلى ربع قرن أو أكثر.
التجمع العفوي الذي نظمه أهالي المعتقلين والمغيبين اللبنانيين في سورية، يوم زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت، كان هو من فضح بهتان أطروحة «النصر الإلهي» الجديد.. فعلى مسافة من بيروت ربما تقلّ كثيرا عن المسافة من العاصمة اللبنانية إلى حيث كان يُعتقل الأسرى ويُدفن الشهداء المستعادون في صفقة «حزب الله»، يوجد المئات من اللبنانيين بين معتقل في سجن، وشهيد مدفون في مقبرة سرية داخل اراضي «الشقيقة» سورية، كان «ذنبهم» الوحيد المشترك انهم عارضوا، وهم في بلدهم، الاحتلال السوري للبنان، وطالبوا بإنهائه.. وبالطبع، كما يعرف «حزب الله» وموالوه، فإن كل احتلال بغيض، وإن من الوطنية العمل لإنهاء الاحتلال، وإن كل مناهض للاحتلال هو وطني.
اللبنانيون الذين ما زالوا معتقلين، أو محفوظة رفاتهم في مقابر في سورية، هم وطنيون، ويستحقون أن يجهد «حزب الله» ويجاهد في سبيل عودتهم إلى وطنهم وأهاليهم. ومن المفترض، قياساً على العلاقة الوثقى بين الحزب وسورية، ألا يواجه الحزب مصاعب كالتي واجهها مع إسرائيل لتحقيق غرضه، فهو لن يحتاج إلى وسطاء وشهود ومفاوضات سرية، ولا إلى ترتيبات للتبادل، ولا إلى عقد صفقة.. إلا إذا كانت دمشق تسعى من جانبها إلى صفقة ما... تتعلق، مثلا، بالمحكمة الدولية الخاصة بقضية الرئيس رفيق الحريري!!





أضف تعليقك