السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

المرزبان في حوار الأديان



الخميس, 24 يوليو 2008
حنا عبود

المرزبان هو القائد الموجّه، صاحب الكلمة الحاسمة. قد يقود علانية، وقد يوجّه في السر. فالمهم الوصول إلى الهدف المرزباني الأصلي، وليس ما يثار من ضجيج. ولم تكن الأديان في يوم من الأيام من دون مرزبان.

وفي الدولة الرومانية أمثلة كثيرة على المؤتمرات التي لم تكن تعقد إلا تحت رقابة المرزبان. وهو خبير بكل الفرق والملل والمنظمات، يعلن الحياد عنها، ويستغل ما يحقق مصلحته منها.

كل المؤتمرات كانت تخرج بمقررات «دينية» محضة، وبمنظمات ولجان ومؤسسات... يجيد تحريكها، سواء أكانت القرارات لصالحه أم لم تكن. وبعد كل مؤتمر يزداد الخلاف وتزداد الفرق والملل. وخير مثال هو المجمع الملكاني. وهو المؤتمر الذي لم يستطع المرزبان وضع المقررات مسبقاً. فقد احتدم النقاش في الإمبراطورية حول الكريستولوجيا، طبيعة المسيح. طبيعة أم طبيعتان؟ إلهية أم إنسانية؟ وكان النقاش مستشرياً إلى الدرجة التي شعر فيها المرزبان بالإرباك والخطر، فدعاهم إلى مؤتمر، يُجمع فيه المؤتمرون على قرار واحد فقط: إما طبيعة أو طبيعتان. وهدد بأن المخالفين (أي الأقلية) سوف يعاقبون، إذا تمردوا على قرار البقية، الذي سيصبح عقيدة رسمية للدولة. ولما انتهى المؤتمر الملكاني إلى أن في المسيح طبيعتين: إنسانا كاملا وإلها كاملا، خالفته أقلية، يطلق عليهم لقب «المونوفيزيت» أي أصحاب الطبيعة الواحدة، مخالفين بذلك ما أقره المؤتمر الملكي. فغضب المرزبان وراح يلاحق المونوفيزيت بصورة لم يسبق لها مثيل. وقتها أيقن المرزبان بالفعل أن فراخ الأفاعي التي يربيها لا تظل تحت سيطرته دائماً، بل قد تلدغه. وقد لدغته، وقضت على دولته.

مضى على هذا المؤتمر أكثر من ستة عشر قرناً، ولم يتغيّر أي شيء على الإطلاق. ما زال (وسيبقى) المونوفيزيت يؤمنون بالطبيعة الواحدة (الإلهية عند اليعاقبة، والإنسانية عند النساطرة) ومازال (وسيبقى) الملكانيون يؤمنون بالطبيعتين غير المنفصلتين.

ليس من باب التحدي، بل من باب ملامسة الحقيقة والواقع، نسأل كل الكفار والمؤمنين، والأقربين والأبعدين، المسيحيين وغير المسيحيين، أن يقدموا لنا مثالاً من مؤتمرات الأديان ليس وراءها مرزبان، على مدى تاريخ البشرية. بل أكثر من ذلك، نطالب هؤلاء أن يقدموا لنا مسألة خلاف واحدة حُلّت. كل مسائل الخلاف خرجت كما دخلت، بل تكاثرت مثل القنبلة العنقودية؛ واستُغلت لمصلحة المرزبان.

بقيت الكريستولوجيا قائمة ومحتدمة حتى اليوم، بل أضيفت إليها مشكلات جديدة كالماريولوجيا (مريم أمّ مَن؟ الإله أم الإنسان؟ وكيف يُحدَّد الأب في هذه الحالة أو تلك، وكيف يتم القبول ويتحقق الاستقبال؟)...

وكلما تقدمنا في الزمن وازداد عدد المجامع والمؤتمرات الدينية، ازدادت الهوة اتساعاً، فصاروا يختلفون حول الروح القدس في مسألة الانبثاق... لا بل صار الخلاف يشمل كل شيء حتى النولوجيا (Naology علم الصروح المقدسة) فلكل ملة نظرتها أو نظريتها في الصروح،... ناهيك عن الخلاف في السواعي (كتاب الساعات الذي يسجل ساعات النهار على مدار العام، وفي كل ساعة هناك صلاة لقديس أو شهيد أو عيد أو مناسبة...) فلكل طائفة سواعيها (الكبير أو الصغير). وامتد الخلاف فشمل الليتوريجا (الطقوس في إقامة القداس) والتراتيل والأدعيات... كما شمل القديسين، فهناك قديسون في هذه الطائفة لا يعترف بقداستهم أبناء الطوائف الأخرى، ووصل الخلاف إلى الزيّ والملبس وغطاء الرأس، حتى صرت تعرف الملة من مظهر العمامة والحلة.

لا توجد نقطة خلاف واحدة حُلّت، وإنما استُغلت. وهكذا الأمر في جميع الأديان.

منذ قيام العالم الاشتراكي كانت الولايات المتحدة مرزبان المؤتمرات الدينية، تنفق عليها من ماليتها، وتديرها عن طريق وكالتها المركزية. والغرض هو وقف نمو هذا العالم وتوسعه... ثم تطور هذا الغرض في أواخر القرن الماضي، فصار القضاء على هذا العالم.

وقد لعب الدينان الكبيران- بعد الكثير من المؤتمرات وإنشاء الكثير المنظمات- دورهما تحت إشراف المرزبان على نحو فعّال، فكانت النتيجة أن أسقط الدين في الشرق الاتحاد السوفييتي، وأن أسقط الدين في الغرب المعسكر الاشتراكي، وقد اعترف البابا نفسه بهذا الدور، كما افتخر رجال الدين في الشرق بالمأثرة التي قاموا بها في أفغانستان.

لم يبق سوى الصين، وهي تشبه الاتحاد السوفييتي، من حيث إن جميع الأديان لا ترضى عنها وسقوطها يعني سقوط أوراسيا، تماماً كما أن سقوط السوفييت أدى إلى تفكك العالم الاشتراكي.

باشروا حراثة الحقول ورسم الحدود، وأعلنوا ابتداء فصل حصاد الرؤساء (أفغانستان، العراق، لبنان، باكستان، واليوم السودان وغداً الجزائر ثم... ثم... ) لتغيير خريطة الشرق الأوسط القديم وإقامة شرق أوسط جديد، يطوّق أوراسيا.

ما هو الشرق الأوسط الجديد؟ هو الذي يمتد من المغرب حتى الصين... نعم حتى الصين. والدين أداة عظيمة جداً بعد تجربة دك الستار الحديدي العنيد، بسهولة بالغة، وبثمن بخس تقريباً. على الرغم من كل الشعارات النبيلة (التسامح ونبذ التعصب...) كعادة كل المؤتمرات، فإن مؤتمر مدريد اليوم، وما نجم عنه وما يعقبه من مؤتمرات، هو المنجل الذي سيحصد الحقول، حقلاً فحقلاً. وفي كل حقل زيز حصاد يفرد جناحيه متغنياً بأمجاده، ظاناً أن المنجل لن يطال حقله، ولن يزيل حدوده، مقتنعاً منهم أن ما يجري هو لسلامة رأسه، لا لحفر رمسه.

وسوف يسفر هذا المؤتمر عما أسفرت عنه المؤتمرات السابقة: المزيد من التشرذم والتنابذ والصراع. وهذا ضروري للاستفادة من كل المنظمات الناجمة، بعد شحنها جيداً بالديناميت الديني.

منذ الإعلان عن هذا المؤتمر، وقبل أن ينعقد، اتهم بعض المشاركين المؤتمر بالنزعة التعصبية، ما دام يعقد في الدولة المستقبلة، وليس في الدولة الداعية. وهذا أول مؤتمر يتلقى التهم قبل انعقاده. لكن هذا يجعل الشحن فعالاً، ويؤكد أن «التسامح» خرافة تغطي المصلحة... فهو شعار مثل شعارات المؤتمرات التي أسقطت الاتحاد السوفييتي والعالم الاشتراكي. المهم أن تنشأ عن المؤتمر منظمات، لأنها هي التي تسعى- كالعادة، بإشراف الوكالة المركزية، وتمويلها- إلى التعبئة والتحريض والخلاف والشقاق والحرب والقتال في الخارج وفي الداخل... وهي حريصة على جهود جميع «المؤمنين» بكل فرقهم ومللهم، تماماً كما حصل في أواخر القرن الماضي.

كاتب من سورية

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.