السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

الخليج .. وتهديد الثقافة الوطنية



الخميس, 24 يوليو 2008
د. سعيد حارب

هل الثقافة الوطنية في الخليج مهددة؟ هل وصل هذا التحدي إلى مرحلة الخطر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما العمل؟ تذهب بعض الآراء إلى التقليل من خطر هذا التحدي انطلاقاً من أن الثقافة الوطنية في المنطقة إنما هي رافد للثقافة العربية، ولذا فهي تستمد قوتها من قوة الثقافة العربية الإسلامية، ولا تميزها عن الصور الأخرى في هذه الثقافة سوى بعض الخصوصيات التي ترتبط بالبيئة والظروف المحلية، لكنها لا تعزلها عن الثقافة الأم، وبالتالي فإن هذه الثقافة الوطنية تواجه تحديات كثيرة لكنها ليست مهددة في ذاتها، انطلاقاً من عراقة الثقافة العربية الإسلامية التي نشأت قبل آلاف السنين وعبرت الزمان والمكان في صورة حضارية تجاوزت كل المقاييس الحضارية السابقة لها، إذ لم تعش ثقافة أو حضارة هذا الامتداد الزمني، كما أنها لم تنتشر على تلك المساحة التي شغلتها الثقافة العربية الإسلامية التي أصبحت خلال مرحلة من التاريخ ثقافة لشعوب وأمم لا تمت إلى العربية بصلة، لكنها تبنت الثقافة العربية باعتبارها الوعاء الناقل للدين الإسلامي، فالثقافات القديمة كالإغريقية لم يبق منها إلا آثارها، بينما ما تزال الثقافة العربية الإسلامية حية ومستمرة، على الرغم من تراجعها الذي يُعد تراجعاً مؤقتاً، وبالتالي لا يمكن الحكم على هذه الثقافة بأنها آيلة للسقوط أو الانتهاء، بخاصة وأنها تضطلع برسالة خالدة هي رسالة الإسلام. والقول باضمحلال الثقافة العربية الإسلامية هو مقدمة للقول باضمحلال الإسلام، وهذا ما لا يتصوره مسلم، عدا عن أن يكون عربيا، وبخاصة أن هذه الثقافة كانت على الدوام ذات بُعد وسمات إنسانية عالية، وقيم اجتماعية وفكرية وأخلاقية تحتاجها الإنسانية في أي مرحلة من مراحلها وفي أي بقعة من العالم. وتلتقي بذلك مع الثقافات الأخرى ذات هذا البعد لتشكل وجهاً آخر للثقافة الإنسانية التي تحاول الصورة المادية أن تطمس معالمها، فحاجة البشرية إلى تلك القيم الإنسانية حاجة مستمرة وثابتة، أي أننا لا نتصور أن تصل البشرية إلى يوم تتخلى فيه عن جانبها الإنساني أو القيمي أو الأخلاقي، لأنها بذلك تتخلى عن مبرر وجودها واستمرارها بينما حاجتها المادية متغيرة ومتقلبة وفقاً لتغير الظروف والأزمنة، كما أن الحاجة المادية مرتبطة بسلوك الإنسان وتصرفاته التي يحكمها الجانب الأخلاقي والقيمي، وبالتالي فالجانب المادي من الحياة محكوم بالجانب الإنساني وليس العكس.

ومن هنا فإن الثقافة العربية الإسلامية مازالت قادرة على الاستمرار والثبات بهذا المنظور، إذ لم تتأثر كثيرا بالرؤية المادية كما «تلوثت» بعض الثقافات الإنسانية المعاصرة وأصبحت فاقدة لطبيعتها أو خصوصيتها، كما أصبح إسهامها الإنساني معرضاً للزوال بسبب تركيزها على الجانب المادي وإهمالها القيم الإنسانية. كما أن الثقافة العربية الإسلامية قادرة على استيعاب كل متغير في هذه الحياة، وليست هذه هي المرة الأولى التي تستوعب إنتاج وعطاء الآخرين، بل إن هذه الثقافة استطاعت أن تحقق ذلك خلال مراحل زمنية معينة في التاريخ العربي الإسلامي، ولعل تجربة نقل المعارف اليونانية والبيزنطية في عهد المأمون خير دليل على ذلك، كما أن نقاط التقاء الثقافة العربية الإسلامية مع غيرها من الثقافات كانت نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه هذه الثقافة، فالأندلس وصقلية وسمرقند وغيرها من الحواضر القديمة كانت بوابات التلقي للثقافات الأخرى وإعادة صياغتها وإخراجها بثوب الحضارة العربية الإسلامية، بل إن هذه الثقافة استطاعت أن تحقق ذلك حتى في فترات الهزائم والضعف، إذ استطاعت أن تحوّل المغول من غزاة معتدين إلى جزء من البناء الثقافي في المجتمع العربي المسلم.

ومن هنا فإن مرحلة الضعف التي تمر بها الثقافة العربية الإسلامية ليست مبرراً للخوف على هذه الثقافة والزعم بأنها مهددة لأنها ما زالت تُقَدم عطاءً، على الرغم من قلته وضعفه إلا أنه يحفظ مسيرة هذه الثقافة التي تحمل في داخلها القابلية للنمو والإبداع والتطور خلافاً لما عليه بعض الثقافات التي تزعم السيادة والقوة وتعيش حالة من (الوهم) الذي ينسيها فكرة التطور المستمر إذ «يعميها» تفوقها عن تجديد ذاتها حتى تُفَاجأ بانهيارها، ولعل تجربة إيجاد ثقافة ذات بُعد أيديولوجي، كالثقافة الاشتراكية التي فُرِضَت على المجتمعات الشيوعية خلال حقبة الاتحاد السوفيتي السابق، وأتباعه، خير دليل على ذلك، إذ عاشت الشعوب الاشتراكية على وهم تفوقها الثقافي الذي انهار سريعاً بعد سقوط النظام السياسي الحامي لها، وانتقلت هذه الشعوب إلى ما يمكن تسميته بـ «الفراغ الثقافي»، فتارة تتخبط في البحث عن هوية ثقافية جديدة تدفعها إلى الرأسمالية مرة، وإلى القومية والشعوبية مرة أخرى، حتى أصبحت «مسخاً» من الثقافات الأخرى خلال فترة زمنية لم تتجاوز العقد الواحد، فكيف سيكون عليه الأمر خلال قرن أو قرنين؟!! فقد ربطت هذه الثقافة وجودها بالوجود السياسي، بينما نجد أن الثقافة العربية الإسلامية على الرغم من أنها تتضمن في مكوناتها الجانب السياسي، إلا أنها ليست تابعة له، إذ سقطت كثير من الدول الإسلامية والعربية خلال مراحل تاريخية مختلفة، ومع ذلك بقيت الثقافة العربية الإسلامية تتنقل من دولة لأخرى، ومن زمن لآخر، لكن هذه الصورة «الوردية» تجعل بعضنا يزعم أنه «لا ثقافة فوق ثقافتنا»، وأننا نعيش أفضل مراحل حياتنا الثقافية، إن هذا القول على الرغم من عدم واقعيته يضيف تخديراً لشعورنا نحو هذه الثقافة، التي تواجه تحديا بكل ما في الكلمة من معنى، وقد لا يصل هذا التحدي إلى التهديد، إلا أنه يبقى في النهاية تحديا لا بد من الاعتراف به ومواجهته، ولعل أبرز صور هذا التحدي هي مزاحمة الثقافات الأخرى لثقافتنا العربية الإسلامية بصورتها الوطنية في منطقة الخليج العربي، إذ لا توجد بقعة على وجه الأرض تواجه مثل هذا التحدي وربما لا يشبهنا في ذلك سوى سنغافورة التي تحولت إلى خليط من الثقافات المجاورة، لكنها عالجت ذلك بنظام تعليمي متميز جعلها تتربع على قمة الدول المتفوقة تعليمياً لعدة سنوات، ومازالت كذلك، لكن منطقتنا تعيش حالة من الغزو أو الصراع مع الثقافات الأخرى،التي لا تشكل إضافة لها بل تشكل بديلاً، ورُبّ قائل ألا يمكن أن نستوعب هذه الثقافات في ثقافتنا العربية الإسلامية، وربما كانت الإجابة بـ «نعم» لو أن هذه الثقافات تحمل عطاء جديدا، أو إضافة حضارية، أو تطور قيمة إبداعية لما لدينا، لكن الواقع يشير إلى أن الثقافات الأخرى تمارس «إحلالاً» وبديلاً لثقافتنا، وبخاصة أننا لا نملك مجاراتها أو التغلب عليها، فاللغة والعادات والقيم الاجتماعية والإبداع الثقافي أصبح لدينا «ملوثاً» بثقافات أخرى، ولم يسلم من ذلك سوى جوانب محددة من التراث، إذ لم تمتد إليها يد التلوث لا لقوة فيها، بل لأن الثقافات الأخرى لا تملك بديلاً لها، أو لا تملك أدوات غزوها، ولذا تركتها كمؤثر «نفسي» نعتز به كلما أردنا أن نعتز بجانب من ثقافتنا الوطنية حتى أصبح تراثنا جانباً مادياً أصم لا يسهم في تطوير حاضرنا، بل أصبح جزءا من التاريخ الذي يتعرف عليه الناس كلما زاروا المتحف، أو كلما أرادوا أن يعقدوا مقارنة بين ماضيهم وحاضرهم، أو كلما زارهم سائح وأرادوا أن يطلعوه على شيء لا يجده في بلاده، أما غير ذلك فقد عُطّل دور التراث، على الرغم من سلامته من التلوث، أما جوانب الثقافة الأخرى فلا تحتاج إلى مزيد تدليل على ما أصابها من هذا التلوث.

إن كثيراً من الناس يعتقدون أن قضية الثقافة الوطنية جزء مما يكرره الأكاديميون والباحثون وينفخون فيه كأنهم «نذر حرب» وأن الأمر ليس بتلك الصورة «البشعة» التي يرسمها هؤلاء، ولذا فكل شيء «على ما يرام»، بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك حين يتساءل: وما الضرر في أن نفقد هذه الثقافة «الجامدة» وننتقل إلى ثقافة أخرى؟ بل قد يحدد ذلك بالثقافة الغربية، وفاتَه أن الأمم كالأفراد لا يمكن أن تفكر بعقول غيرها!!

كاتب من الإمارات

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.