السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

الأمة أولا أم رئيسها؟..البشير أنموذجاً



الخميس, 24 يوليو 2008
غسان الشهابي

ربما لم تشهد الأمة العربية ـ من بعد صدام حسين ـ رئيساً يطارد كما يطارد الرئيس السوداني عمر البشير اليوم، على ذمة جرائم الحرب المتهم بها، فلقد بادر الزعيم الليبي معمّر القذافي لتصفية مفاعلاته البدائية في الصحراء طوعاً، ولسان حاله يقول «السعيد من اتعظ بغيره»، وربما قال «بيدي لا بيد بوش»، ومن بعده وقبله، أقبل كثرة من الروساء والزعماء العرب ـ ومن هم في حكمهم ـ إلى المسارعة لتنظيف سجلاتهم، وإخراج القناع الآخر المسمى بـ Plan B أي الخطة البديلة التي يمكن للحكومات اتخاذها إذا ما أجبرتها الظروف الدولية وليست المحلية، فليس للمحلي اعتبار ولا وزن ولا أهمية، لأن زمّار الحي لا يُطرب ولا يُرهب، إنه القناع الباسم الديمقراطي المراعي لحقوق الإنسان المنتمي إلى هذا القرن، والمخفي خلفه شهوات القرون السحيقة.

قصتنا اليوم مع البشير ـ وأرجو ألا يتنطع أحد بأن لا دخل لي في السودان ـ هي قصتنا مع الكثرة الكثيرة والمتكاثرة من الحكام العرب، الذين يودون أن يرتكبوا كل الفضائح والبوائق ويطلبوا من شعوبهم الوقوف معهم ضد الخطر الأجنبي، والغزو البربري، بينما ما يفعلونه هم في أبناء بلدهم وأهليهم لا يفكر حتى العدو على الإتيان به. والمقارنات بين وقائع اليوم وأمس صدام القريب ناجزة ومتكررة.

هل نرضى بتقديم البشير «أنموذجاً» إلى محكمة الجنايات؟ سنقع بين النيران الأزلية، فلدينا تراث ثرّ في نصرة الأخ ظالماً أومظلوماً، والنصرة هنا إنقاذ رأس الزعيم لأن الزعماء لدينا هم ظلال الله على الأرض، وقد أسرف مُدّاح السلطة وفقهاء الدّلس ـ منذ العصور السالفة ـ في ربط الإيمان بطاعة السلطان مهما فعل ما دام يقيم فينا الصلاة، أي حتى لو أتى من الفظاعات ما أتى.

والنار الثانية أن السكوت على قتل ربع مليون من البشر في دارفور ـ أيّاً كان جنسهم وعرقهم ودينهم ـ تعتبر جريمة وشيطنة خرساء، لا يمكن لأي ذي عقل سليم وقلب حي أن يرضى بالإبادة والحرق والاغتصاب والتخريب الذي جرى.

في هذا السياق نتذكر هذه المقاومة العربية الفجّة ضد التدخل الأجنبي فقط لأنه أجنبي. فسابقاً قال البعض «لماذا صدام حسين وحده.. هل هو الرئيس العربي الوحيد الذي أجرم وقتل وأباد؟!»، واليوم يتكرر المشهد نفسه في السودان وحوله «لماذا البشير؟!» وكأن السائل يطلب محاكمة الجميع، أو العفو عن الجميع.

المسألة أكبر وأعمق من مجرد محاكمة، وهذا ما لا يرتضي الكثير من العرب تفهمه. فهناك حكام عرب ومسلمون يتفننون في جر الغرب إليهم بانتهاك الحريات والحقوق والموارد، ويعملون على التقتيل والتشريد والفتك بالمعارضين في عالم لم تعد فيه الحدود تعني شيئا، ولا السيادات حقيقية إلا لمن خدمته المصادفة الإلهية، ووجد نفسه في الشمال من الكرة الأرضية، متدرجاً إلى الغرب منها، وما دون ذلك مستباح بقسوة ومن دون مبررات حقيقية، ومن يتوهم اليوم القدرة على الصمود في وجه التهديدات، ويعتقد أن ثلة من الأنصار المجبرين على التلويح بقبضاتهم أمام شاشات التلفزيون يمكنها أن تقف حائلاً بين رأسه وسيوف طالبيه؛ سيكون غارقاً في الوهم حتى نخاعه، وسيجد نفسه في قفص الاتهام في طرفة عين.

ففي مسألة دارفور تعددت الرسائل والتهديدات والأساليب، وبقيت الحكومة السودانية على الموقف العربي الأصيل من الإنكار والتنكر والنفي «جملة وتفصيلاً»، متهمة الغرب بحياكة القصص لكي يسقط النظام، وهي الأسطوانة المملة نفسها التي تتكرر ولم تعد تعني شيئاً لأيٍّ منا، كما لا تحرك تعبيرات من مثل «الإمبريالية» و«التعالي الدولي» والكثير من التعبيرات الأخرى، لا تحرك النفوس ولا تبعث فيها الحميّة، لصبر هذه الشعوب دهوراً مانحة حكامها الفرص تلو الفرص، ولكن كلما أتى حاكم لعن أخاه، وفاقه في انتهاكاته وعبّه من الدماء والأموال والأعراض.

ليس الحديث هنا عن الحكم في السودان، فما هو إلا آت عرضياً إذ الكثير من الحكومات العربية تمارس الأمور نفسها من دون رادع، وقيل إنها ستتعلم من درس صدام في 1991، وفي 2003 وما بينهما، إلا أننا نناسل المشاهد المسرحية المملة نفسها، فلقد أحاط بالرئيس السوداني جمع من الشباب المتحمس لكي يكونوا فدائيين له (ألا يذكرنا هذا بفدائيي صدام؟)، وسارت المسيرات الحاشدة في العاصمة لتعلن صوتها الرافض للمحاكمة الدولية، فلما لم تكن لأصواتنا أوزان في الداخل ساعات الرخاء فكيف نرجو أن يكون لها شروى نقير في الخارج ساعات الشدة التي يبرم العدو فيها شأنه ويحزم أمره!

وليس من المذهل أن يعلن الرئيس السوداني في هذه الأيام تحديداً زيارة لدارفور وافتتاح مشاريع تنموية فيها، فهذا نسج من التخبط الذي نعيشه دوماً عند اللحاق بالخرائب وهي موشكة على الوقوع على رؤوسنا، ولا أحد يمكنه ساعتها رد الانهيار ما دمنا قد ماطلنا في البدايات ولم نتعلم الدرس نفسه الذي نراه يتكرر في حياتنا وليس في التاريخ المتباعد.. فنحن نعيش التاريخ ولا نهضمه، ونراه كما نرى فيلماً من الخيال لا يمكنه أن يصبح واقعاً، وهذا جزء من الخوار الذي لا ينفك يطبق علينا.

الأصوات الضاربة في العروبة والقومية والتي ترى في محاكمة رئيس عربي من قبل أطراف خارجية، ومجرد مثوله أمام أعدائه يعني كل الذل الذي يمكن أن يعيشه المرء، يشيرون إلى إمكانية محاكمات الرؤساء العرب في دولهم ومحاكمهم، ولا أعرف حقيقة دواءً لهذه السذاجة، فمجرد ضابط تحقيقات في بعض دولنا لا ترفع ضده قضية، وإن رُفعت ـ من أجل عيون ديمقراطية صورية نخرة ـ فإن نهايتها معروفة فضلا عن عدم قدرة أي منا رفع عينه في عين الضابط، فمن ذا الذي سيجرؤ على رفع قضية ضد حاكمه؟

عودة إلى النموذج العراقي، فنتذكر بعض القضاة الذين بدأوا بمحاكمة صدام حسين كانت ألسنتهم تتلجلج وأصواتهم تتهدج والرجل في سجنه، فكيف بهم يقاضون رئيساً وهو في كامل صلاحياته؟!

إذن، هل نقبل الاختراق؟ أم نقبل المجازر؟ هل كرامة الرئيس أعلى وأهم من كرامة الوطن بأسره؟

كاتب من البحرين

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.