السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

المال في صراع الدولة العربية مع الإسلاميين



الخميس, 24 يوليو 2008
د. هشام العوضي

في عددها الأخير (عدد 353، شهر يوليو) نشرت لي مجلة «المستقبل العربي» مقالة بعنوان: النظام المصري والإخوان: صراع على شرعية البقاء. وأنشر هنا (بتصرف) بعض ما جاء من الدراسة في صراع الدولة المصرية مع الإخوان، وعلاقة المال في هذا الصراع، وهي الثالوث التقليدي في صراع الدولة العربية مع الإسلاميين على مصادر التمويل.

«في ديسمبر 2006 شن النظام حملة اعتقالات لرجال أعمال في جماعة الاخوان المسلمين بتهمة «غسيل الاموال»، وحوّلهم إلى محاكمات عسكرية في إبريل 2007، ما أثار الجدل حول البعد المالي في الصراع بين الاخوان والنظام. وربما فيما كان مفهوما تحويل القيادات الوسطى في الجماعة إلى محاكمات عسكرية في 1995، باعتبارها مثّلت مفاصل حركة الجماعة في الفضاء النقابي والبرلماني، فإن استهداف رجال المال بعد ذلك بـ12 سنة، يمثل مرحلة متطورة في الصراع، لم تتضح دوافعها بعد. ويمكن بالعموم القول إن تزايد نفوذ الحركة سياسيا وشعبيا، ووصول الاسلاميين إلى السلطة في بعض الدول المجاورة، حالة «حماس» تحديدا، ونجاح الاسلاميين في الانتخابات التشريعية في مصر، والكويت، والبحرين، والمغرب، وتحالف أميركا مع الانظمة السلطوية بعد أحداث سبتمبر في مقاومة الارهاب، جميعها شكّلت عوامل متوازية لدوافع النظام ضد الحركة. ولكن يظل السؤال مطروحا: لماذا استهداف مال الاخوان الآن؟

وتربط قيادات الحركة استهداف مال الاخوان بفوزهم غير المتوقع بـ 88 مقعدا في انتخابات 2005، ومحاولة النظام «تجفيف منابع الدعم المالي» لحملاتهم الانتخابية، باعتقال أعضاء التمويل في الجماعة، وتحويلهم إلى محاكمات عسكرية. ولفهم العلاقة بين المال وصعود الاخوان السياسي أشير إلى مصادر التمويل الرئيسية لدى الجماعة وهي: (1) دور رجال الاعمال داخل مصر، (2) دور الاخوان المصريين خارج مصر، (3) اشتراكات أفراد الجماعة، وتطوعهم لدعم الحملات الانتخابية.

فبالنسبة إلى دور رجال الأعمال (مثل عبدالرحمن سعودي في المقاولات، وحسن مالك، الذي يمتلك أكثر من شركة، وشريكه خيرت الشاطر) فإنهم يقدمون دعما ماليا مهما للجماعة فترة حملاتها الانتخابية. هذا سوى الاشتراكات التي يدفعونها بانتظام باعتبار عضويتهم، وهي نسبة محددة، قد تصل إلى 10 % من دخلهم. ويدفع الاخوان الذين يعملون في الخليج وليبيا اشتراكات شهرية منتظمة تزيد نسبتها فترة الانتخابات. وفي الوقت الذي يظل عدد أعضاء الاخوان في مصر غير معلن، إلا أنه يبلغ مئآت الآلاف، وهؤلاء يدفعون اشتراكات تدعم أنشطة الجماعة.

وفيما لم يكن دور رجال الأعمال في دعم أنشطة الحركة جديدا، إلا أن استهدافهم في 2007 تحديدا كان بسبب تنامي دورهم في انتخابات 2005 مقارنة بانتخابات 1995 و 2000. فقد اتسمت انتخابات 2005 بالكلفة المالية الباهظة على دعاية المرشحين، مقارنة بالسنوات الماضية، وأشارت دراسة إلى أن نفقات مجموع المرشحين المصريين الذين خاضوا انتخابات 2005 وصلت إلى 5 مليارات جنيه، وهي أربعة أضعاف نفقات انتخابات 2000. وأنه فيما بلغ متوسط ما أنفقه المرشح الواحد في 2000، حوالي 375 ألف جنيه، فإنه وصل إلى مليون جنيه في 2005، وأن كلفة المقعد الواحد من مقاعد مجلس الشعب الـ444 وصلت إلى 12 مليون جنيه. وحسب هذه التقديرات افترض الامن أن الاخوان أنفقوا أكثر من 300 مليون جنيه لدعم مرشحيهم الـ161، وأن رجال الاعمال كانوا المموّل الرئيس لهذه النفقات، ما سلّط الأضواء الأمنية عليهم.

ولفهم تداعيات اعتقال رجال الاعمال على قوة الجماعة، وما إذا كان اعتقالهم سيحسم الصراع لصالح النظام، لابد من تسليط الضوء على الهيكل المالي للاخوان، وتحديد حجم نفوذ رجال المال نسبة إلى بنية التنظيم، ودينامية الحركة في المجتمع المصري. أولا هناك خط فاصل بين ما تملكه الجماعة من ميزانية تابعة للتنظيم، وبين ما يملكه أعضاؤها من رأس مال خاص بهم، ومن المهم في أي تحليل عدم الخلط بين الاثنين. ثانيا، منذ حل الاخوان ومصادرة ممتلكاتها في 1954 حرصت الجماعة ألا يكون لها مشاريع مملوكة لها، وأن تعتمد في تمويل أنشطتها على اشتراكات الاعضاء، وما تتلقاه من دعم من شرائح في المجتمع نتيجة شرعيتها الاجتماعية. ثالثا، تدير الجماعة أنشطتها العامة، بما فيها حملات الدعاية فترة الانتخابات، من خلال نوعين من الانفاق: إنفاق مركزي يتم من خلال صندوق التنظيم في القاهرة، وإنفاق غير مركزي يتم من خلال صندوق شُعب وفروع التنظيم في بقية المناطق والمحافظات. وفيما قد يؤثر اعتقال رجال الاعمال على نفقات الجماعة المركزية، فإنه بالتأكيد لن يؤثر على نفقات الجماعة غير المركزية.

إن اللامركزية في حركة التنظيم، واعتماد الاخوان على اشتراكات وتطوع أعضائها، وتوظيف الجمعيات الاهلية التي تسيطر عليها، تجعل نفوذ رجال الاعمال على دينامية الجماعة محدودا، وبالتالي أثر اعتقالهم محدودا في معادلة الصراع مع النظام. ومن جانب آخر، فإنه لا يزال غير واضح حجم رأس مال رجال الأعمال، ونسبة ما يصل من هذا الحجم إلى الاخوان كتنظيم. فهناك تضارب في الارقام الخاصة بثروة رجال الأعمال للأخوان، وخلط بين قيمة رأس مال مشاريعهم، والأرباح الحقيقية من وراء هذه المشاريع. وفيما تقدّر ثروة رجال الأعمال للأخوان بالملايين، فليس من الواضح ما إذا كانت هذه الارقام تعبّر عن رأس المال المجمّد في أراض، وأبنية (مصانع وشركات..الخ)، أو عن الأرباح السائلة، أو عن كليهما معا. وفي ظل تدني الأوضاع الاقتصادية في مصر، وسوء مناخ الاستثمار الأجنبي، وضعف القدرة الشرائية، فإن حركة المال السائلة من رجال الأعمال إلى الجماعة لدعم أنشطتها السياسية يبدو أنه ليس بالحجم الذي تشير إليه وسائل إعلام النظام. كما أن البنية اللامركزية في الهيكل المالي للاخوان، تجعل دينامية الحركة في دوائر المحافظات والأقاليم ذاتية ومستقلة عن أموال رجال الأعمال.

ومن جانب آخر، ليس من الواضح الآثار المباشرة لاعتقال رجال الأعمال على اقتصاد الدولة، أخذا في الاعتبار محدودية أرباح شركات الاخوان. إلا أن الآثار غير المباشرة ستكون سلبية من ناحيتين: أولا من ناحية أن اعتقال رجال أعمال، يتعامل بعضهم مع شركات أجنبية، يخلق مناخا طاردا لرأس المال الأجنبي الذي تحتاجه الدولة لتعزيز شرعيتها الاقتصادية. وقالت دراسةٌ لهيئة سوق المال المصرية بأن استهداف رجال أعمال بعث رسائل سلبية للخارج عن مناخ الاستثمار داخل مصر.

وثانيا من ناحية أن استهداف رجال مال الإخوان يسفر عن طرد مئات الموظفين الذين يعملون في مصانعهم، ما يفاقم من مشكلة البطالة المتزايدة في مصر. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه استياء عمّاليا من تردي أوضاعها المالية، وبيع القطاع العام، وتنامي سياسة الخصخصة. وهذه تمثل معضلة للنظام، فهو في الوقت الذي يريد أن يقلّم أظافر الجماعة المالية من خلال تصفية استثمارات أعضائها، فإنه يقوّض فضاء عاما يوّفر عملا لمن بدونه سيكون عاطلا، وغاضبا على الدولة. غير أن استهداف رجال أعمال الإخوان، وضرب كياناتهم الاقتصادية في 2007 دلاّ على أن النظام وصل إلى مرحلة متقدمة من الخوف جعلته في النهاية يقايض شرعيته الاجتماعية بأمنه واستمرار بقائه السياسي».

كاتب كويتي

hesham.alawadi@awan.com

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.