الخروج من النفق الإيراني
![]() |
أي مهمات قتالية جديدة في الخليج تعني إيذانا بعودة التطرف بشكل صارخ ومباشر إلى كل أرجاء المنطقة، فهي بمثابة النداء إلى الخلايا النائمة للتحرك والمثابرة والعمل مرة أخرى، وربما تجد الجماعات الدينية الشيعية والسنية محورا جديدا للالتقاء حوله، يدفعها نحو السعي المشترك للعمل على صد العدوان، والتحرك نحو إنهاك العدو الذي ينتهك، منذ أمد طويل ولايزال، سيادة المنطقة، بغض النظر عن تنوع مللها وطوائفها.
جميع الأطراف ستكون معنية بالحرب إذا ما اندلعت، وستكون مدعوة للمبادرة إلى اتخاذ ردة فعل لا تقل عن الاتفاق الجماعي على كيفية رد الإيذاء بإيذاء أكبر، فالإرهاب كما أسرّ الرئيس السوري بشار الأسد لمراسل «الغارديان» ألن غريش عبارة عن حالة ذهنية، وهي بالفعل كذلك، فلا يمكن لمنطق الإرهاب أن يتراجع إلا مع تقدم منطق الحوار، وإذا أصرت الولايات المتحدة على استخدام منطق القوة والفرض، فإن المنطقة سوف تسير نحو العنف والتطرف رغما عنها، وسوف تُمنى جميع الخطوات التي بُذلت طوال السنوات الماضية للحد من الإرهاب بالفشل الماحق.
الحوار، يعني تخلي الولايات المتحدة عن سياسة التهديد المستمر بشن حرب على المواقع النووية الإيرانية، والاعتراف بفشل سياسة الاحتواء والضغط ومحاولات عزل طهران إقليميا ودوليا، وهي السياسة التي لايزال بعض المسؤولين الأميركيين يصرون عليها، على رغم معرفتهم التامة باستحالة نجاحها، وقد بدا واضحا أن الولايات المتحدة لم يحالفها الحظ في التعامل مع الملف الإيراني، وأن السياسات الأميركية تجاه طهران لاتزال تنقصها الكثير من الخبرة بطبيعة واستعدادات النظام الإيراني.
فعلى الرغم من كل الهجوم الإعلامي والسياسي والاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد طهران، والتحريض المتواصل ضد النظام الإيراني، فإن أغلب دول المنطقة لم تستجب مع سياسات العزل، لأن مصالحها مرتبطة بصورة وثيقة مع طهران، وقد تعززت هذه المصالح مع تزعزع الثقة بأهداف السياسات الأميركية في المنطقة، ولاسيما بعد العجز الذي أبدته الأخيرة تجاه إحلال السلام في العراق، وتدخلها السافر في دعم العدوان الإسرائيلي على لبنان، واستمرار الانفلات الأمني داخل أفغانستان.
في المقابل فإن اشتداد الأزمات وتصاعد التوتر بين النظامين الأميركي والإيراني، وفي مقدمتها الحرب الداخلية في العراق، والتطورات السياسية في لبنان، وأيضا التحديات والمخاطر الأمنية في المنطقة، أكدت مكانة الجمهورية الإسلامية، وبات واضحا لدى جميع دول حوض الخليج أنه لا يمكن لأي ترتيبات في المنطقة أن تصل إلى نتيجة مرضية دون موافقة ومباركة طهران، ولهذا يتوقع الكثيرون فشل «تحالف الدول العربية المعتدلة» التي تسعى الولايات المتحدة لإقامته لاحتواء إيران، لأن الدول العربية باتت أكثر أيمانا بمحورية الدور الإيراني، وبمكانة الجمهورية الإسلامية من الناحية الجيواستراتيجية.
لقد كان أمام الإدارة الأميركية فرصة سانحة لوضع لبنة حوار وتفاهم مع الإصلاحيين في إيران إبان حكمهم، بخاصة أن الإصلاحيين أبدوا مرونة بالغة في هذا الاتجاه، ربما رغبة منهم في تحقيق إنجاز غير مسبوق على مستوى تفكيك الأزمة بين بلادهم والولايات المتحدة، وكان من شأن ذلك أن يخطو بالاتفاق حول مستقبل الشرق الأوسط خطوات ملموسة إلى الأمام، ويؤسس لسياسات تفاهم متبادلة بين الطرفين.
لكنها أخفقت في استثمار تلك الفرصة، لأن العقلية الأميركية تجمدت عند حل معضلة الملف النووي الإيراني، بينما أرادت طهران أن يشمل الحل حزمة المشكلات السياسية والإستراتيجية المتراكمة بين الطرفين، من خلال النظر إلى أبعد من أنف المصالح الأميركية، والتفكير الجمعي في مصالح دول المنطقة ومستقبلها الذي زعزعته الطموحات الأميركية المتناقضة وحولته إلى صفيح ساخن.
وواقع الأمر أن إيران تعرف تماما أنها بعيدة عن التهديدات الأميركية، وأن التلويح باستخدام القوة هو أمر غير جدي على الإطلاق، لقد استخفت ولاتزال القيادة الإيرانية بالتهديدات المتواصلة، واعتبر المسؤولون الإيرانيون أن التهديد بشن هجوم عسكري على200 من منشآتها النووية لا يعدو الحرب الإعلامية والنفسية، ويؤيد هذا الاعتقاد اتساع فريق معارضي الحرب داخل الولايات المتحدة سواء داخل وزارتي الدفاع والخارجية، أم داخل الإدارة الأميركية ذاتها، كما يعززه وضع القوات الأميركية المرتبك في العراق والمنطقة ككل، فكيف ستغامر الولايات المتحدة بشن هجوم وقواعدها تحت مرمى الصواريخ الإيرانية؟
نعم، يذهب بعض المحللين إلى أن الهجوم يمكن أن يأتي من طرف إسرائيل، فيما تقوم الولايات المتحدة ببذل المساعي نحو استيعاب ردود الأفعال العربية والإسلامية، ومحاولة تخفيف حدة الاحتقان المتوقعة، ويؤيد هذا التحليل النشاط المحموم للوبي الإسرائيلي في العاصمة الأميركية، لكن معادلة الحرب في هذه الحالة لن تسير إلى جانب المصالح الإسرائيلية ولا الأميركية، فبالنسبة إلى إسرائيل، فإن مصلحتها تتمثل في الاكتفاء بتوجيه ضربات خاطفة للمواقع الإيرانية المستهدفة من ضمن نظرية شل القدرات النووية الإيرانية، لكن قرار الحد من مساحة الحرب ليس في يد إسرائيل وحدها، وإنما بيد طهران كذلك، وأعتقد أن أي هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية سوف يدفع إيران إلى توسعة نطاق الحرب، واستهداف مصالح إسرائيل والولايات المتحدة في آن واحد في كل محطة ومخبأ في الخليج وخارجه.
كاتب كويتي






جزاك الله خير
جزاك الله خير طمنتنا
انت
100%
أضف تعليقك