ذاكرة البحر
أبدية تستفيق مع الندى تبارك البحر ليرحل متصوّفاً عبر الدروب الضوئية في ظهيرة الصفر، إذ يبدو السفر إلى المجهول هدف التائهين وسط بحار نائية، لكن النجم الساري هو مرشدنا. الشمس تحنو على البحر ساعة الظهيرة فيتلوّن كزمرد ولازورد، وجدتها... إنها الأبدية. البحر إكليل شوك للعابرين في ليله، فتنبثق كاهنة متلفلفة من اللامكان ليغمرها في أبديته اللامتناهية.
أيها البحر في أي كوكب درّي تزاحمت كمهرة متصوّفة تلوذ خجلة بين الزهور، أو كعذراء متوحشة. ليله همسٌ في الزمان أو قطف الأحلام في تناثر الغيوم، وزهور النرجس طقوس مخدّرة في المساء البنفسجي. البحر مازال يوقظ الحياة، في مرآته تتزيّن كميدوزا، يتطهّر من دنس الغرباء في منفاه أو ملكوته. أين الضفة الأخرى للشمس.
البحر منفي بالزمن، والزمن منفي بالبحر، يصغي إلى همس التاريخ كروح منفلتة،
في غابات مظلمة.
أين مكان العبور ياحارس البرزخ... قال: البحر عصيّ على الاستحواذ، يحيل ناظره لهيب نار. تَطهّر أيها الغريب بالسرّ الخفي وهدّم شيئاً في روحك حالما تودّ الرحيل تائهاً في الآفاق، إنك أمام البحر وفي قلب الكون. عن أي بحر تبحث، أي فردوس مفقود، أي شراع يومئ لمدينة... الملائكة فيها شياطين أو قارب إنقاذ. أيها البحر ماذا فعلت بالعابر إلى أرض المجهول، والمنفي بالزمن؟
أيها المسافر
ارحل
ارحل
ولا تصغي إلا لصداك.
أيها الأقيانوس، لم نرَ الماضي أبداً في مرايا أمواجك. ومنذ أن ناديتنا هبطنا سلالم المجرّات إلى أديمك القدسي، أيقظتْ سهولها شمس الظهيرة. انحدرنا مبتهجين في بئر الزمان... تابوت الأحياء، لكن الأرض كابوس آدم وأنت من أوحى بالنبوءة
أيها المسافر كن حذراً من غضب البحر فجواهره كملائكة تجرجر أجنحتها غضباً. البحر هادئ الليلة وأغنية القمر الدامي تهمسها الحيتان الحزينة. وهكذا في حجرات النور البحري قاد المسافر خيلاءه ومشى لاهثاً على سطح البرزخ عابراً تلك العواصف والليالي التي تحيل على الجنون، وما زال المسافر التائه يمشي... ويمشي. البحر هادئ هذه الليلة. والفتى سئمَ البحر وجعل الليل مرآته. وفي انزواء الظلام وعلى شاطئ الرمل عاد المسافر هارباً إلى منفاه الأبدي، ومازال البحر هادئاً. إنه حزين لأنه هادئ هذه الليلة.





أضف تعليقك