يحدث في جنوب العراق.. العسكر يمسحون ذاكرة سومر!
![]() |
البصرة - الناصرية - نقاش : في جنوب العراق، تطفو الآثار على سطح الأرض وتفيض كالنفط، فتثير شهوة اللصوص وتجار الآثار، وعصابات التهريب الدولية. القصة بدأت في عهد صدام، عندما أشرف بعض متنفذي النظام، على عمليات سرقة الآثار، واستحوذوا على مقتنيات أثرية عرضوا بعضها في منازلهم، على سبيل التفاخر والتباهي، بينما وجد بعضها الآخر طريقه إلى الأسواق.
تاريخ انتهكت حرماته
غير أن الأمور اتخذت أبعادا خطيرة بعد احتلال العراق، فاستبيحت مواقع أثرية ذات أهمية تاريخية كبيرة، وأهملت مواقع أخرى، فانتهكت حرمة التاريخ.
«وجه النظام السابق ضربة المعول الأولى، في عملية تخريب آثار سومر الجنوبية، من خلال إنشائه مواقع عسكرية على مقربة من تلك الآثار». هذا ما يقوله أستاذ لمادة التاريخ في جامعة البصرة، طلب عدم الكشف عن اسمه، موضحا أن «صدام بنى واحدة من أكبر القواعد الجوية في العراق، وهي قاعدة الإمام علي، مجاور آثار أور (15 كم شمال غرب الناصرية)، علما أن هناك أكثر من 16 مقبرة ملكية، تعود للسلالات السومرية الأولى، مصنوعة من الطين والفخار، في تلك المنطقة، وهناك بيت النبي إبراهيم عليه السلام».
وقبل حرب الخليج الأولى، تعرّضت تلك الآثار للتخريب، جراء التوسع في بناء المنشآت العسكرية. وعندما اشتعلت الحرب، أتت الأضرار على بعضها بشكل مباشر، جراء قصف قوات التحالف لمواقع الجيش العراقي.
أما بعد سقوط نظام صدام، فقد أقامت قوات التحالف قواعد عسكرية جديدة على أنقاض السابقة، وشقت الجرافات الأرض طولا وعرضا، لإنشاء طرقات، فنالت المواقع الأثرية نصيبها من صواريخ الكاتيوشا، وقنابل الهاون التي يطلقها المسلحون، مستهدفين قوات التحالف، كما حصل مثلا مع موقع (زقورة أور)، حيث يوجد أثر لأقدم معبد مكتشف في التاريخ.
ويتابع أستاذ التاريخ «هناك حقيقة خطيرة، وهي تعرض كثير من المقتنيات الأثرية، في موقع زقورة أور للسرقة، مع أنها تحت حماية القوات الإيطالية والأجنبية الأخرى»، مؤكدا أن «الآثار المنهوبة، موجودة اليوم في المتاحف الإيطالية، وإحدى الجامعة الأميركية».
«إيشان» أو دفاع الروح الشريرة
ويضيف أن خريطة الأماكن الأثرية المنكوبة تمتد على مساحة مدن الجنوب، وتتوغل في (الهور)، حيث بقايا الحضارة السومرية، التي يصفها بالمناطق «بالغة الأهمية»، لكنه يشير إلى أنها «مواقع مكشوفة، وبعيدة عن أعين السلطات، ومهملة من الناحية الأمنية، ولاسيما تلك الواقعة بين قصبتي (الفجر) و(الرفاعي)».
أحد أهالي قضاء الشطرة (45 كلم شمال الناصرية)، ويدعى هاشم (38 عاما)، تبرّع بمرافقة مراسل (نقاش)، في جولة بسيارته عبر تلك المناطق، حتى تخوم منطقة (الهور) المائية، وكان برفقة سائقه وهو من أقاربه، واثنين من أخوته كانا مسلحين. ولم ينكر هاشم أنه «تاجر صغير»، مبررا ذلك بالقول «إنه طلب الرزق!».
وبعد ساعة من استقلال سيارته، بدا لنا شريط من الطين، مرتفع عن الأرض، يمتد على طول (3 كلم) شمال منطقة الفجر، وهو ما يطلق عليه تسمية (إيشان).
ويؤكد السكان المحليون أن الموقع «مسكون بالأرواح الشريرة»، وله أسطورة معروفة عندهم، تقول إن (إيشان) فتاة عاشت في زمن قديم، وقُتلت هي وحبيبها، لتجاوزهما الأعراف والتقاليد، وما هذا الشريط الطيني إلا «إحدى ضفائرها الباقية».
وتظهر إيشان أحيانا لبعض السكان، ويسمع الأهالي صوت زغاريدها في الأيام المظلمة، لكنها «لا تخيف سوى أولئك البسطاء»، كما يؤكد هاشم ضاحكا، فالعين لا تخطئ آثار نبش الأرض والقبور، في غير موقع، قرب ضفيرة الطين التي قادنا إليها دليلنا.
السيارة تقطع الطريق، وسط لفح ريح وأراضٍ خربة. وفي كل مرة، كان هاشم يشير إلى موقع أثري ما.
وعن طرق بيع الآثار، وسبل تهريبها، يقول «يقصدنا أشخاص عبر وسطاء محليين نثق بهم، للبحث عن المقتنيات الأثرية وشرائها. بعضهم يزعمون أنهم من الدولة (موظفون)، مؤكدين أنهم مكلفين بإعادة الآثار إلى المتحف العراقي. نحن لا نصدق مزاعمهم بالطبع، لكننا نبيعهم ويرحلون. مهتمون آخرون يأتون إلينا من الأردن أو إيران، ويشترون ما لدينا».
وعن نوعية الآثار المرغوبة وأسعارها، يشير هاشم إلى أن «هناك التمثال الأسود المكتوف والأبيض المكتوف، وهي مرغوبة، ولا يتعدى حجمها (15 سم) وخفيفة الوزن، ويبلغ سعر الواحدة منها 4000 دولار. وهناك أوان فخارية وألواح مزخرفة، ولكل منها سعره».
المهرّبون من مكة وشعابها
هاشم يعيش وضعا ماديا مريحا، كما تبدو عليه هيئته، وهو يعتبر عمله «شريفا»، طالما أنه لا يضر أحدا. لكن أستاذ التاريخ يصف الأمر بأنه «كارثي»، مبيّنا أن «تاريخ العالم القديم مدفون بأسره في جنوب العراق، وهو يتعرض للنهب والتخريب، تحت أنظار المسؤولين في الدولة، ومنظمات الأمم المتحدة، على يد أولئك المخربين الصغار والكبار».
ويضيف أن إهمال الدولة لا يقف عند هذا الحد، إذ «تعرّضت مواقع أثرية مهمة، تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد، للجرف المائي على الضفة الجنوبية من نهر الفرات، متأثرة بارتفاع منسوب المياه. وقد جُرّف قسم كبير من الآثار، وتعرض للكشف، ما جعله تحت رحمة السلّابة والمهربين».
وبحثا عن أجوبة حول الانتهاكات التي تتعرض لها آثار العراق، ودور الحكومة في معالجة المشكلة، يقول مسؤول في مفتشية الآثار بالبصرة، إن «دورنا محدود جدا، ولاسيما أننا لم ننل من الحكومة أية مخصصات مالية هذا العام، ونتعرض إلى ضغوط ومضايقات من أحزاب مشاركة في الحكم، لتسهيل عمليات التهريب».
ويضيف الموظف، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه «في العام 2005 على سبيل المثال، تم إلقاء القبض على مجموعة من المهربين، على الحدود العراقية الإيرانية في البصرة، وكانوا قادمين من مدينة العمارة، وهم من الجنسيتين العراقية والإيرانية، وقد ضُبطت بحوزتهم مجموعة من الآثار تم طلاؤها للتمويه، حتى تبدو قطعا أثرية مقلّدة، ومصنّعة محليا».
ويتابع «تلقينا إشارة من الجهات الأمنية، بإرسال خبير لغرض فحصها وتشخيصها. لكننا تلقينا، بعد دقائق، أمرا من الجهة الأمنية نفسها، يقضي بتسجيل المضبوطات الأثرية الأصلية، على أنها مقتنيات مزيّفة تباع في السوق كهدايا. وتم لهم ذلك، دون أن يجرؤ أحد من المفتشية على رفع صوته». طريق الآثار: خريطة
ويشير موظف المفتشية، إلى أن أغلب الآثار المهربة تأتي من الناصرية، وتمر بطريق البصرة، لتعبر الحدود شرقا وجنوبا، إلى الخارج، موضحا أن قوى الأمن، من الاستخبارات وشرطة الكمارك، تقوم أحيانا «بإلقاء القبض على المهربين، ولكننا نجهل مآل القطع الأثرية بعد مصادرتها، ولا تعيدها الجهات الأمنية إلينا».
وبإحباط شديد، يختتم المصدر بالقول إن «الحكومة عيّنت حارسين اثنين فقط، لحماية مواقع الآثار في محافظة البصرة».






أضف تعليقك