خطر المفاعلات النووية والإشعاعات الناتجة عنها
المفاعلات النووية والإشعاعات الناتجة عنها هي شؤون علمية محضة، ولابد من اللجوء إلى أهل الاختصاص العلمي والتقني للكلام عنها. ومن بين هؤلاء البحاثة العلماء الثقاة يقف بقوة د.محمد زكي عويس من أرض الكنانة مصر، تلك التي عرفت في الستينيات من القرن الماضي اشتغالا نووياً ملحوظاً سرعان ما طوي ملفه العلمي وكأن شيئاً لم يكن.
يذهب د.محمد زكي عويس إلى أن الفضل في بناء المفاعلات النووية يعود إلى جهود العلماء في محاولة فهم عمليات الانشطار النووي بين أنوية الذرات ذات العدد الكتلوي الكبير، وقد وجد أن نواة ذرة اليورانيوم الذي عدد كتلتها يساوي 235 تنشطر عندما تصطدم بها نيوترونات بطيئة نسبياً، وينتج عن هذا الانشطار أنوية أخرى ذات ثقل متوسط. وكذلك تنتج طاقة تبلغ 0.32*10 جول لكل تصادم نيوتروني. ويرجع سبب تولد هذه الطاقة إلى تحول جزء من الكتلة إلى طاقة، حيث أن مجموعة كتل النواتج بعد الانشطار يكون أقل من الكتلة الكلية لنواة ذرة اليورانيوم.
هذه الطاقة تكسبها نواتج الانشطار كطاقة حركة. كما ينتج عن هذا الانشطار عدد من النيوترونات تستطيع بدورها القيام بتصادم جديد، وبذلك يستمر التفاعل والانشطار بمجرد بدئه، ولذلك يسمى هذا بالتفاعل المتسلسل، وقد أدى اكتشاف ظاهرة الانشطار النووي وانبعاث هذه الطاقة الهائلة الى عمل القنبلة الذرية العام 1945. وقد أمكن بعد ذلك التحكم في هذه الطاقة الهائلة الناتجة عن عمليات الانشطار النووي لأنوية ذرات اليورانيوم بما يسمى بالمفاعلات النووية، حيث يجري التحكم في معدل عمليات الانشطار وإنتاج الطاقة.
وتشكل كمية الوقود الذري وتحديد حجمه بالمفاعل قضية كبيرة. وقد وجد أنه عندما يكون حجم الوقود صغيراً، فإن نسبة كبيرة من النيوترونات تهرب من الوقود، ما يهدد باستمرار التفاعل المتسلسل. ولذلك فهناك حجم حرج للوقود الذري يتميز به المفاعل النووي، يستمر بعده التفاعل المتسلسل. ويمكن التحكم في معدل حدوث الانشطار، وذلك بواسطة قضبان البورون ذات القدرة الكبيرة على امتصاص النيوترونات. وعند تشغيل المفاعل، توضع أولاً قضبان البورون في أماكنها، ثم توضع قضبان الوقود بينها، وعند وضع كمية كافية من قضيان الوقود، ترفع قضبان البورون. وبذلك تكون كمية اليورانيوم كافية لإحداث التفاعل المتسلسل وإنتاج الطاقة باستمرار، ويتحكم في معدل حدوث الانشطار عن طريق رفع أخفض قضبان البورون.
وينتج عن هذه العملية حرارة عالية، وتستخدم المياه أو الغازات في تبريد قلب المفاعل، وفي الوقت نفسه تنقل الطاقة الحرارية من داخل المفاعل إلى خارجه، حيث يستفاد بها في تحويل المياه إلى بخار يستخدم في تشغيل التوربينات الخاصة بتوليد الكهرباء. وقد تستخدم هذه الطاقة في أغراض أخرى مثل تحلية مياه البحار، وكذلك في تسيير الغواصات.
وعند حدوث خطأ في عملية التبريد، أو عدم السيطرة على عمليات التفاعل المتسلسل، قد يتسبب ذلك في انفجار المفاعل، وتتحول النواتج المشعة إلى شظايا وأبخرة يصعب التحكم بها، وتصبح خطراً يهدد أمن المواطنين. وهذا بالضبط ما حدث في انفجار مفاعل تشيرنوبيل الروسي في العام 1986 في الاتحاد السوفييتي السابق.
وبخصوص التعرض للإشعاع النووي، يرى د.محمد زكي عويس أن ثمة حالتي تعرض للإشعاع النووي. الاولى: تكون مدة التعرض للإشعاع قصيرة، ويتعرض خلالها الشخص لجرعة حادة من الإشعاع، ويتم ذلك بشكل مفاجئ. وهذه الحالة تكون نتيجة وقوع حوادث من نوع تسرب الإشعاع، أو ما الى ذلك، حيث تظهر الأعراض البيولوجية على الجسم بعد فترة قصيرة من تعرضه للإشعاع.
الحالة الثانية: تكون مدة التعرض للإشعاع طويلة، ويتعرض فيها الشخص لجرعات مستمرة من الإشعاع، وقد لا يظهر أثرها البيولوجي على الجسم قبل مرور سنوات عدة. وهذه الحال تكون، إما نتيجة الإهمال في توفير الحماية من الإشعاع، أو نتيجة دخول مواد مشعة الى الجسم سواء عن طريق الجهاز التنفسي أم الجهاز الهضمي، وبقاء هذه المواد داخل الجسم لفترة طويلة ويطلق على هذه الحالة «التعرض المزمن».
وبالنسبة إلى أعراض الإشعاع إذا تعرض الشخص لجرعة حادة مفاجئة من الإشعاع، يلاحظ أنه تظهر عليه بعض الأعراض البيولوجية العامة مثل الغثيان، والقيء، والإجهاد، والضعف العام، وارتفاع في درجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى حدوث بعض التغيرات في مركبات الدم، ومدى التغيير الذي يحدث في الدم، يعتبر من أهم الاختبارات التي ثبتت تعرض الجسم للإشعاع حتى ولو بجرعة متوسطة مقدارها 25 راد.
وقد ثبت علمياً أن عدد كرات الدم البيض تزداد بدرجة كبيرة بعد التعرض للإشعاع بجرعة غير مميتة، ثم تنخفض تدريجياً بعد يوم واحد من التعرض للإشعاع حتى تصل إلى أدنى قيمة لها بعد أسابيع قليلة. أما كرات الدم البيض اللمفاوية، فينخفض عددها بشدة بعد التعرض للإشعاع مباشرة وتظل على هذا الوضع لشهور عدة.
ومن أعراض نقص الصفائح الدموية حدوث نزف في الأنف والأمعاء وعدم التئام الجروح. ويتوقف ذلك على مقدار جرعة الإشعاع التي يتعرض لها الفرد.،
ويوضح الباحث العلمي د.محمد زكي عويس الأعراض الناتجة عن تعرض الجسم لجرعات متزايدة من الإشعاع النووي تتراوح في المقدار ببين 200 راد الى 2000 راد، فإذا أخذ الجسم جرعة من أشعة جاما على سبيل المثال مقدارها 200 راد، نجد أن هذه الجرعة تؤثر على النخاع العظمي الذي ينتج كرات الدم، ويترتب على ذلك انخفاض واضح في كرات الدم والصفائح الدموية، فضلا عن الإصابة بالغثيان والقيء.
وفي حال زيادة الجرعة من أشعة جاما لتصبح 400 راد الى 600 راد، فإن النخاع العظمي يتوقف عن العمل تماماً، ولكن قد يعود النخاع للنمو التلقائي اذا ما تمت معالجة الآثار الناجمة عن نقص كرات الدم.
أما في حالة زيادة الجرعة من أشعة جاما الى 700 راد، فيصاب النخاع العظمي بالشلل التام، ولا ينمو تلقائياً مرة أخرى. وتعتبر هذه الجرعة مميتة، وعند تعرض الجسم لجرعة من أشعة جاما مقدارها 1000 راد، تصاب الخلايا المبطنة لجدار الأمعاء بتلف شديد، ويصاحب ذلك نقص في كرات الدم، وايضاً يحدث غثيان وقيء وإسهال حاد، وقد تحدث الوفاة في خلال أسبوعين على الأكثر.
وعند زيادة الجرعة المشعة عن 2000 راد، يؤدي ذلك إلى تلف الجهاز العصبي المركزي، كذلك الأجهزة الحيوية في الجسم، ويفقد الشخص وعيه بعد دقائق عدة من التعرض الإشعاعي، وتقع الوفاة في مثل هذه الحالات خلال ساعات أو أيام معدودة على الأكثر.
كاتب من فلسطين





أضف تعليقك