السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

ماذا وراء ساركوزي؟



Sunday, 27 يوليو 2008
فهيد البصيري

ككثير من الأسئلة، من السهل أن نطرحها ولكننا نختلف كثيرا حول إجاباتها. ففي خطوة جريئة، قام الرئيس الفرنسي وبصفته ممثلا لدول الاتحاد الأوروبي، بالتصدي لمهمة دعوة دول البحر الأبيض المتوسط لبلورة اتحاد، أو تكتل جديد من نوع آخر لم تعرف طبيعته بعد.

والأهداف التي أعلنت لهذا الاتحاد البكر هي كالتالي: محاربة الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تثير قلق الأوروبيين، والحد من تلويث البحر المتوسط، والهدف الثالث والأخير، هو الشعار القديم المتجدد دوما: محاربة الإرهاب. وكل هذه الأهداف معقولة إلى حد ما، ولكنها لا تحمل صفة الخصوصية لهذه الدول، فالهجرة مشكلة عامة، وقد لا يكون مصدرها دول البحر المتوسط فقط، والتلوث والإرهاب هما من صفات هذا العصر ويجمع سكان الكوكب على محاربتهما.

ولقد تطوع ساركوزي للقيام بهذه المهمة، وراح يجمع شمل دول البحر المتوسط المتنافرة، وليس ذلك بغريب على رئيس عرف عنه الجرأة والقيام بكل ما هو غير مألوف، فمنذ تطليقه لزوجته الأولى التي ناصرته في الحملة الانتخابية، وزواجه من عارضة الأزياء، المغنية الإيطالية، والكل يتوقع من هذا المتمرد على المألوف كل شيء.. ألم يكن هو من تعامل بصرامة مع أعمال الشغب التي قام بها المهاجرون عندما كان وزيرا للداخلية، وهو ابن المهاجر الهنغاري الهارب من الهيمنة السوفييتية على بلاده. وفكرة الاتحاد المتوسطي ليست بجديدة عليه، فقد كانت إحدى شعاراته المطروحة في أثناء حملته الانتخابية للرئاسة، وبعدما أصبح رئيسا وفي طنجه أثناء زيارته للمغرب أعلن عن مضمون هذا الاتحاد الجديد، وخطوطه العريضة، وقد أقلقت تصريحاته شركاءه في الاتحاد الأوروبي، حيث بدا لهم ما قام به ساركوزي، أنه التفاف حول الاتحاد الأوروبي وحنين للقيام بدور «نابليوني» في قيادة أوروبا.

ويمكن تفسير حماسة ساركوزي لهذا الاتحاد المتوسطي في هذا الوقت بأنه حاليا يستطيع ذلك، كونه يتمتع بميزة الرئيس للاتحاد الأوروبي. أما لماذا ساركوزي بالذات من قام بهذه المهمة، فالتفسير المنطقي يقول إن فرنسا تجمعها مع أغلب بلدان البحر المتوسط كالجزائر والمغرب وسورية ولبنان ومصر علاقات استعمارية وثقافية قديمة. وقد كانت استجابة هذه الدول على قدر ما كان يتمناه ساركوزي، فقد استجابت الدول جميعا، عدا ليبيا وهي ليست أصلا في الحسبة. وقد تقدمت الدول المعنية للاجتماع، يسبق كل منها أجندته الخاصة، فسورية تريد فك العزلة الدولية التي تعاني منها منذ زمن طويل، ولبنان يحتاج إلى من يسانده في ترتيب فوضى التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، وإسرائيل تريد التطبيع بأي ثمن، والمغرب والجزائر بينهما ما صنع الحداد في الصراع على الصحراء الكبرى، وهي فرصة للتقارب بعد خروج ملف الصحراء الكبرى من أيدي الاثنين، إضافة إلى أن هذين البلدين بالذات، لا غنى لهما عن الارتباط الاقتصادي والثقافي مع الفرنسيين، فهما أكبر مصدرين للهجرة غير الشرعية للدول الأوروبية.

أما تركيا فقد كانت تتمنى أن تدخل الاتحاد الأوروبي من الباب الأمامي، وليس من الباب الخلفي كدخولها الآن للاتحاد المتوسطي والأوروبي. وقد توقف نجاح المؤتمر على مشاركتها، وتعتبر مشاركتها انتصارا لساركوزي التي تعتبر بلاده من اكبر المعارضين لدخول تركيا الاتحاد الأوروبي.

وقد اجتمع الرؤساء بالفعل، من دون أن يعلم احد منهم بالقصة كاملة، وكان المهم هو عدم التخلف عن الحضور خشية من تفويت الفرصة المجهولة.

وقد قام الرئيس الفرنسي بالضيافة المطلوبة وزيادة، وقدم لهم عرضا عسكريا ليس للقوات الفرنسية فقط، بل للقوات الدولية وقوات الأمم المتحدة التي تشارك في حفظ الأمن حول العالم، وهي حركة ذكية تعطي للوهلة الأولى انطباعا، بأن الأمن أصبح في أيد أمينة، بعدما اسند لهذه القوات الدولية، وبأن العالم أصبح أمما متحدة. وتتويجا لهذه الوحدة الجديدة، عين الرئيس المصري حسني مبارك رئيسا للجانب الجنوبي للبحر المتوسط! واكتفى ساركوزي برئاسة الجانب الشمالي له! ولكن الاجتماع انتهى دون أن نعلم نحن المتسمرين خلف شاشات التلفاز عما دار خلاله أو الآلية التي سيتم بواسطتها تنفيذ التوصيات أو الخطوات التي ستتخذ حيال ما طرح من أهداف أولية.

وعاد المجتمعون والابتسامات على وجوههم، والحيرة على وجوه المراقبين. والغريب أن الصحف الفرنسية لم تعط لهذا الاجتماع أي اهتمام يذكر، وكانت التغطية له أشبه بالدعاية لمنتج قديم لم يثبت نجاحه.

ولو فكرنا لدقيقة واحدة في حقيقة هذه الأهداف الموضوعة، لوجدناها أهدافا أوروبية بحتة، وحلها بيد الأوروبيين أنفسهم، فالتلوث يأتي من أوروبا الصناعية، والهجرة غير الشرعية حلها بيد قوانين الهجرة الأوروبية، وملف الإرهاب شائك ومتناثر ولكل دولة قصة في التعامل مع الإرهاب وهو إرهاب مازال العالم مختلفا حول تفسيره.

إذن ماذا وراء ساركوزي؟

انه تأثير العولمة، والنظام الاقتصاد العالمي الجديد. لقد أدرك الأوروبيون القوة الاقتصادية للصين المتعاظمة، والتسابق على الأسواق، فلم يكن أمام أوروبا إلا السعي للحفاظ على مستعمراتها القديمة، أو أسواقهم بالمعنى الصريح، أمام الزحف الصيني القادم من الشرق، وربط مصالح دول البحر المتوسط الاقتصادية بالمصالح الأوروبية، فالعالم الجديد لا بقاء فيه للكيانات الصغيرة، والتسابق الآن هو على فتح الأسواق، والاتحاد الأوروبي يعاني من المنافسة الأميركية والصينية، بل والشرق آسيوية عموما، وقد سدت أمامه أسواق الشرق والغرب، فلم يبق أمامه سوى المتوسط.

والمتوسط الجديد هو أحد معالم الاقتصاد العالمي الجديد، والذي تطمح الدول الأوروبية ممثلة بساركوزي لخلقه والاستفادة منه، والخشية من فقده.

ولكن السؤال الذي يهمنا هو: هل ستستطيع الدول العربية التي شاركت في هذا الاجتماع، الاستفادة من هذا الاتحاد الجديد؟ يبدو أن الرئيس معمر القذافي قد حسم الإجابة وأجاب بالنفي فلم يلب دعوة ساركوزي.

أما الباقون فقد انطلقوا للاستفادة من هوامش هذا الاجتماع الذي يبدو أنه أوجد نوعا من الانفراج في العلاقة السورية اللبنانية، وقد يسهم بالتعجيل بعملية السلام الإسرائيلية السورية، وها هو يجمع بين أولمرت وعباس، ويعزز من موقف تركيا في المطالبة بالانضمام للاتحاد الأوروبي، وهي أهداف لم تكن موضوعة أصلا على قائمة الأهداف المعلنة، ولكنها أهداف خاصة للدول المدعوة والتي استخدمتها الدولة الأوروبية كمحفز لهذا الاجتماع.

انتهى الاجتماع / القمة من دون أي ضجة إعلامية كالتي رافقته، وكأن الدولة المضيفة اكتشفت شيئا لم تستطع الإفصاح عنه، فاكتفت بتصوير تحية الوداع للمشاركين في الاجتماع!

كاتب كويتي

fahad.albas@awan.com

لا يوجد اي تقييم للموضوع

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.