دور العسكر العرب في السياسة انتهى أم بدأ؟
منذ سنتين ونصف السنة كتب الزميل رئيس التحرير الدكتور محمد الرميحي مقالا نشرته صحيفة «الحياة» معلقا فيه على دخول موريتانيا في تجربة ديمقراطية استقبلها الكتّاب العرب بزفة كبيرة، وكان للدكتور الرميحي رأي آخر بشأنها.
المقال نشر في الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) 2006. ونعيد هنا نشر تلك الرؤية.
هل كانت رؤية عشوائية أم تحليلا دقيقا؟ اليوم بعد الانقلاب العسكري الجديد في موريتانيا أمس نترك للقارئ الفطن الحكم على مقال حول مستقبل موريتانيا. ادناه نص المقال:
هل إنتهى دور العسكر العرب في السياسة ام بدأ؟
حفظنا عن ظهر قلب في السابق، بعد أن توالت العصب العسكرية على اغتصاب السلطة و(الثروة) في الكثير من البلاد العربية، وبعد فترة قصيرة من تجربة فيما يعرف اليوم بالليبرالية الديمقراطية العربية، حفظنا مقولة (الديمقراطيون العرب يقتلون الديمقراطية، ويوقّع العسكريون شهادة الوفاة)، كان ذلك منذ الخمسينيات حتى التسعينيات من القرن الماضي. حتى الأحزاب الأحادية العربية، التي ضمت بعض المدنيين، ارتكزت في طريق القفز للسلطة على العسكريين، وما لبث المدنيون فيها -وإن لم يحصلوا على أي تدريب عسكري- أن لبسوا (الكاكي أو الخاكي في بعض اللهجات العربية) تيمنا بالعسكر.
دور العسكر العرب في السياسة كان متوقعا في فترة الحرب الباردة، لقد كان العالم ينقسم إلى قسمين، رأسمالي واشتراكي، ومع التطاحن بين القوتين، والعرب في وسط جغرافي وتحت أرضهم تكمن الطاقة المحركة (النفط)، لم يكن بمقدور أية قوة (الاستغناء) عن الطموح للاستيلاء على أرضهم وثروتهم، أو بمقدورهم هُم الانفكاك من ذلك الأسر.
ولم يعد سرا أن معظم الانقلابات العسكرية العربية كان بموافقة أو حتى بتصميم أو على الأقل بسماح القوة المنتمية للمعسكر (الرأسمالي). بين أيدينا اليوم وثائق دامغة تقول لنا ذلك، من دمشق إلى بغداد إلى القاهرة إلى طرابلس الغرب إلى الخرطوم إلى صنعاء. المشكلة أن بعض العسكر وجدوا بعد حين أن (التنظيم الاشتراكي للمجتمع) القائم على القمع والمنع، يسهل عليهم القبض على (السلطة والثروة). كل ذلك تم بالطبع تحت شعارات رنانة اكتسحت معظم عقول العرب من الخليج إلى المحيط.
انتهى المطاف بفشل كامل للمشروع القادم من الثكنات، كان ارتكازه على عدد من الشعارات، لم يستطع أن يحققها، لا في (التحرير) ولا في (التنمية). ورغم أن العسكر قد ورّثوا عسكرا في الحكم أو شبه عسكر، إلا أن الاعتماد كان على (حزب) واحد انضوت فيه سيطرة الدولة وجشع الأفراد.
تغيرت الأحوال في الخمس عشرة سنة الأخيرة، تدريجيا ولكن بعمق، ودارت الدائرة، وتبين أنه من شبه المستحيل لنظام استبدادي الحفاظ على السلطة في مجتمع حديث يتفاعل مع المنظومة الاتصالية الحديثة بالغة السرعة كثيفة التأثير، كما تبين أن الحكومات المتحررة من الكوابح الزجرية القانونية على سلطتها المطلقة تصبح دائما فاسدة، ويسكت المفسدون عن المفسدين حتى تظهر (السرقة) في خطيئة ارتكبت هنا أو مجموعة أخطاء تمت هناك كهزيمة أو جور على جار. كما ظهر للجميع أن أنظمة الحزب الواحد الأوحد، لا تملك حوافز أصلية لإعادة صياغة للنظام والحكم الذي يحقق مصالح الأكثرية أو يتواءم مع المتغيرات، فتحولت الأكثرية من المواطنين إلى موالين.
منذ عشرية خلت، وبسبب تفاقم الفشل من جهة، وعدم القدرة على تحقيق التنمية من جهة أخرى وتغير العالم المحيط، عادت النغمة العربية الجديدة للعزف مع المعزوفة الدولية (الاقتصاد الحر، الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان) والكثير من الأفكار الحديثة، مما أصبح خبز ومرق الصحافة العربية السيارة اليوم والإعلام الفضائي، حتى عادت بعض أقلام العبيد المروجين السابقين للدكتاتورية، تروج لما لم تفه به بكلمة أيام الصوت الذي لا يعلو على صوت المعركة!
إلا أن المعضلة أن الأماني الجديدة تلك لم تجد لها عربة اجتماعية تحملها إلى مقصدها الأخير ومحطتها النهائية، فلم تهيئ الفرص لظهور ونمو مجتمع مدني حقيقي وحديث في عالمنا العربي، من جراء القمع المتواصل للنخب المستنيرة، التي إما أقصيت أو صمتت أو هاجرت أو ارتضى بعضها التمرغ (بتراب الميري). هنا جاءت الفكرة الجديدة وهي العودة للعسكر من جديد، ولكن بشروط جديدة، فبدلا من توقيع شهادة الوفاة للديمقراطية طلب منهم هذه المرة توقيع شهادات الميلاد.
تجارب العسكر بالاتجاه المضاد أيضا مشهودة، فهناك تجربة عسكر تركيا، الذين تدخلوا في شؤون الدولة متى ما أصبحت سفينة الدولة في رأيهم يحدوها الخطر، فهم انتهوا إلى أن يكونوا (بيضة القبان) للحفاظ على الدستور وتطبيقه، أما المفاجأة والتي هي ليست مفاجئة، فهم عسكر موريتانيا، الذين بدؤوا اليوم بتحضير شهادات الميلاد لديمقراطية معقولة في تلك البلاد، عن طريق تنظيم هياكل سياسية، والسماح لكل القوى بأن تتنافس في ساحة السياسة، بضمانات، من بينها عدم تدخلهم، أي (الجونتا العسكرية) في صيرورة المسيرة القادمة، والامتناع حتى عن ترشيح أنفسهم.
هذه الروح العسكرية الديمقراطية، على ما في المفهوم من تناقض، نجد لها أصولا في العسكر المصري، فيما عرف اليوم بأزمة (مارس 1954) التي طالب فيها بعض العسكر (من مجلس قيادة الثورة المصرية) بالعودة إلى الديمقراطية وحكم الأحزاب، إلا أن شهوة البعض (للسلطة والثروة) قد أفسدت ذلك المسعى، ليس من دون شعارات ضخمة، وعواطف نبيلة من بسطاء القوم.
العسكر العرب حصلوا على امتيازات ضخمة في مجتمعاتهم، من بينها أنهم لكونهم أعدوا للحرب، لم يحاربوا، باستثناء قلة قليلة منهم، معظم العسكر العرب من الضباط في الخمسين سنة الأخيرة ماتوا في فراشهم، بعضهم أصبح من أهل الجاه والمال والسلطة، كما أن الامتيازات التي حصلوا عليها في حياتهم فاقت كل امتياز، مرتبات كبيرة في مجتمعات فقيرة، وسلطة غير محدودة على رؤوس الفقراء، واستهتار كامل بكل من العلم والقانون.
أصبح الضباط العرب في كثير من الدول (مبشرين بالحصانة) حتى أدمنت وسائل الإعلام (شرائط السينما والتلفزيون بعدها والصحف قبل هذا وذلك) في تقدم الضابط لكونه أيقونة المجتمع وهوى المراهقات.
علينا أن نتذكر العسكر على الجانب الآخر من الصورة، في إسرائيل، فقد تداخل العمل السياسي بالعسكري، فأصبح عدد من ضباط سابقين في الجيش قادة لإسرائيل، الخلاف أنهم قد التحقوا بالأحزاب المدنية قبل ذلك، وانتموا إلى المجتمع المدني. المقارنة مجحفة بالطبع، حيث توفر مجتمع مدني وقانوني لهم لم يتوفر لنظرائهم العرب، بسبب زملائهم العرب أيضا من أهل العسكر.
بعد كل الأزمات السابقة التي مرت بنا وما زال بعضها عالقا في الحلق، أمام بعض العرب تجربتان لا غير في الوصول إلى الحرية المبتغاة، إما تحرك الشارع في انتفاضته التي رأينا ألوانها المختلفة في السنوات الثلاث الأخيرة، منها الزهري والأرجواني أو البرتقالي إلى آخره من الألوان، وهو أمر لا يبدو أن الأرض مهيأة له بعد، أو أن ينخرط العسكر العرب من جديد في التغيير إلى الأفضل، هذه المرة من أجل تغيير مشروط، وهو مسايرة هذا العالم الكبير المتنوع باحترام الديمقراطية والتعددية وإعلاء حقوق الإنسان.
يكتشف العاملون مع العسكر الذين امتطوا السياسية، في نهاية الأمر، أن الطريق مسدود، والمثال هو السيد خدّام، وإن تكن إفاقة متأخرة إلا أنها ذات دلالة، إفاقة الأستاذ عبدالحليم خدام الأخيرة المحمودة، الذي وجد نفسه أمام خيارين، إما رضوخ إلى العسكر أو موافقة تامة لأهل (الميري) التابعين، فلا مكان لرأي آخر غير ذلك ولو كان اختلافه طفيفا. وتجربة السودان ذات الدورة الكاملة في العقود الثلاثة الأخيرة، تنبئ أيضا عن المسيرة ذات الأفق المسدود، وفي الاحتفال الأخير بالعيد الخمسين لاستقلال السودان، أصبح التوجه لما ليس منه بد، المشاركة في السلطة والثروة، محاربة الفساد، حقوق الإنسان، الاعتراف بالتعددية والأحزاب، إلى آخر المقولات العالمية المستحبة. يقوم بتنفيذها عسكريون. يبقى سؤال: هل تحقق تلك الخطوات أهدافها أم لا؟ ذلك أمر آخر لا يستطيع أحد في هذا الوقت المبكر أن ينبئ به، إلا أن الإشارة هي لتأكيد التوجه الجديد، مع تأكيد عقم التوجه السابق.
السؤال الذي يبدو أنه لا يسبق زمانه هو: هل يعود العسكر العرب، لكونهم القوة الاجتماعية المنظمة الوحيدة والمنتمية إلى وسط اجتماعي مقهور، في فضاءات العرب الحالية، إلى لعب دور جديد يُكفّر عن دور سابقيهم باحتضان الديمقراطية ووضع مجتمعاتهم على سكة التطور بعد طول اغتراب؟ ذلك سؤال مطروح لدور جديد.
مقال نشر في صحيفة «الحياة» اللندنية بتاريخ 18 يناير 2006





أضف تعليقك