أسامة الرنتيسي | أول السطر
البلاد « قايمة قاعدة»... أين المثقفون الكويتيون؟
أين المثقفون الكويتيون مما يجري على الساحة؟
البلاد «قايمة قاعدة» وخطوات التصويب يحمل مشاعلها كل الأوفياء، ودعوات الإصلاح تطرق الأبواب من أعلى هرم في السلطة، فأين أنتم يا مثقفي الكويت؟
غياب مفضوح في الأوقات الحرجة، وسكوت أو هروب عندما يكون المجتمع في حاجة إلى أن تتكلموا وتحضروا.
الكويت ليست رابطة الأدباء، ولا ملتقى الثلاثاء، ولا المجلس الوطني، ولا مؤسسة البابطين، ولا دار سعاد الصباح، حتى تكتفوا بصراعات طواحين الهواء داخل بعضها.
العالم لم يعد منقسما كما أنتم بين من مع قصيدة النثر ومن ضدها، وهل هناك مكان للقصيدة العمودية في زمن الحداثة؟
العالم أوسع من خلافاتكم، والكويت أهم من شللياتكم، ولو فزتم بكل جوائز الكون وخسرتم دوركم التنويري والطليعي في مجتمعكم، فأنتم لم تكسبوا شيئا.
في الكويت حراك انتخابي، شئتم أم لم تشاؤوا هو حراك مجتمعي، يفرز الغث من السمين، أعجبكم الحال أم لم يعجبكم، عليكم أن تقولوا شيئا، أن تنيروا الطريق أمام الناس، ألستم الضمير الخلاق، والشمعة التي تنير الطريق؟!. في الكويت نكوص عن المشاركة في الانتخابات المقبلة نتيجة حالات التأزيم التي مرت أخيرا، أين أنتم من تنوير المواطنين من خطورة هذه الخطوة؟ وكيف سيستفيد الرجعيون ورفاق العتمة من ذلك؟
نحتاج إلى صوتكم، إبداعكم، نظركم الثاقب، وبوصلتكم.
لا أسمح لنفسي بإعطاء دروس للمثقفين الكويتيين، فأهل مكة أدرى بشعابها، لكنني أتحدث في مساحة الهموم والأحلام المشتركة، وأقول بكل تواضع وخشية، الخوف أن بعضكم انسحب لأنه متورط وغير مشتبك مع الحياة، مكتفيا بحضور ندوات، حضورها لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، يمارس الجدل البيزنطي مع حاله، وفي أبعد الحالات مع شلته، والمثقف يجب ألا يدخل أية قضية ويلتزم بها، وإنما عليه أن يترك دائما داخل نفسه هامشا يمكنه من التفكير ويفسح له عند الضرورة فرصة للمراجعة والتراجع من دون أن يفقد من شرفه الثقافي.. فمن حقه أن يقتنع بما يشاء على ألا ينسى أنه مسؤول، وكثير من المثقفين العرب تواروا عن الأنظار والإبداع لأنهم تخندقوا في مواقع أتى عليها الانهيار..
مشكلة المثقفين العرب ليست كويتية فقط، فهي مطروحة فعلا على مستوى البلاد العربية، حتى البلاد الغربية التي يعتبر بعضها نموذجا للرسوخ الثقافي لم يسلم مثقفوها من المساءلة والنقد اللاذع والاتهام بالغياب والرداءة!
دعونا «نبق البحصة» أكثر ونفجر الدمل.
لا أحد ينكر أن الثقافة بشكل عام تعاني من التوتر، انظروا كيف أصبح مطربو «الهشك بشك» يحظون بالاهتمام والرعاية أكثر مما يحظى به المفكر والفيلسوف والشاعر والمبدع. المثقفون وقادة الرأي استقالوا وتركوا أمر الثقافة للمشبوهين والعابرين.
حفل زفاف لشبه مطربة (لا أحد ينكر أنها جميلة وسكسية) يحظى بالاهتمام أكثر بكثير من مهرجانات الشعر والمسرح ودور العرض، ليس لأنها فقط مثيرة، ولا لأن ذوق الناس هبط إلى هذه الدرجة، بل لأنها فعلا مشتبكة مع الحياة بطريقتها الخاصة، وتدرك ثقافة الاستفزاز التي تطعم الناس غناءً ورقصاً حين يطلبون الفهم والأمن والذوق الرفيع؟
نحن نرغب أن تشتبكوا مع الحياة، مع محيطكم الساخن، أن تخرجوا من قوقعاتكم التي أكلها العث.
لقد اختار المثقفون ألا يتحركوا، واختار رجال الفكر ألا يفكروا فتركوا الساحة للفراغ القاتل وللمبتدئين، لا يكفي أن تفتح الصحف لهؤلاء لنظن أن الثقافة موجودة؟ إن الناس-مواطنين وسياسيين وغير هؤلاء -ينتظرون من المثقفين أن يهتموا بالمجتمع أي بآلامه وطموحاته، بمشاكله وتناقضاته، وأن يخلقوا الحل في إطار متنوع يفتح الآفاق ويبعث الأمل، وأن يثيروا معركة مجتمع حقيقية تتفاعل فيها الآراء وتسهم كل التوجهات في تكريس الديمقراطية، وإتاحة الفرصة للاختلاف في الرأي، والمواجهة الفكرية السليمة التي تحتوي الفروق، وتوجه التناقضات في القنوات التي أبدعتها التجارب البشرية عبر القرون.
لقد أصيب العقل بانتكاسة وأفلست الكلمة عندما غاب المثقفون الحقيقيون، وأصبحوا رواد المهرجانات والتظاهرات الثقافية المزيفة التي تتحمل خزينة الدولة نفقاتها الباهظة من غير أن تكون ذات جدوى.
على مثقفينا أن ينزلوا من أبراجهم العاجية، وليس بالضرورة أن يتبع الثقافي السياسي وأن يكون المثقفون مهرجين في قصور الساسة، وبلاطاتهم، ومن حق المثقف أن يدعم كل سياسة يعتقد أنها تلبي حاجاته القومية، والوطنية.
osama.rantesi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-04