سلام خياط | قبل الاوان - بعد الاوان
لـم يدبج ناسك الجبل وصيته في فصل منفصل، ولا ذهب بها للكاتب بالعدل لتوثيقها، لكنـه دسها في كل ما كتب وسلك وتحدث. وكأنه كان يرى العالم بعد رحيله، وقد استلبته المصالح والمطامح، واستبدت به رغبات الآني والشخصي، وعشت عيونه عما عدا ذلك. نازع الأخ أخاه والجار جاره، والزميل زميله، على رأي، وسطوة وصـرة نقود.
هل كان العالم أيام ناسك الجبل مختلفا عما هو عليه اليوم؟؟ نعم، ولكن ليس في المضمون إنما ببعض التفاصيل التي فرضتها الوقائع المرة وتواتر الأحداث الجسام.
فابن آدم مذ حــط سيدنا آدم، على هذه الأرض، طماع، جشع، أناني، منابز، منافق، أفاك، نمام، مكابر، عجول، ملول، هماز
لمـاز، ربعه خير نقي، وثلاثة أرباعه شرور وآثام.
في معظم ما كتب ناسك الجبل ( أكاد أقول في كل ما كتب) دعوة لتغليب الربع الـخير في الذات البشرية على الأجزاء الثلاثة الشريرة في كيان ابن آدم، تهليل للمصالحة مع النفس، للتصالح مع الآخر، للزهد من دون مكابرة، للكبرياء من دون كبر أو تكبر،
للتواضع من دون صعار أو مذلة، للعطاء دون منة أو أذى أو مصلحة......
أتطلع لأعلى الرفوف في مكتبة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن( ساوس ) وأتشفع بعابر أن يعيرني يدا او يسعفني بسلم أرتقيه لأنفض عن بعض تلك الكنوز المهجورة الغبار، وأضمخها بالامتنان، وأقدمها لمن يقرأ موشومة بوشم كاتبها الراحل ميخائيل نعيمة ( الأرقش، همس الجفون، مرداد، الغربال، الآباءوالبنون، كرم على درب،سبـعون) لم تمسها العيون منذ سنوات، آخر استعارة لأحد الكتب كانت العام 1998.. يا للخيبة.
في كل ذرة غبار تنزاح عن هذه الآثار الإنسانية ينبثق قبس من شعاع وتختلج روح الناسك بالعرفان.
باقة الزهر التي نرشقها عند شاهدة قبر الراحل، هي أن نقرأه مجددا، ونعيد الروح لما نفد من طبعات كتبه ونختار بعض أفكاره لنزين بها كتب المطالعة للناشئة في المدارس والمعاهد وكليات الآداب، ونروج لفلسفته التي كان أساسها الزهو المترفع وقوامها التأمل، والانتساب للبشرية أجمع، وتمجيد العدالة، و..و..
هلاّ شاركتموني في بعض ذاك القطاف؟
{ إياكم والمديح، تكيلونه أو يكال إليكم، وإن بإخلاص، أو عن جدارة.
{ انحدروا على قدر ما ترتقون، وإلا فقدتم توازنكم.
{ قناعة البدن فضيلة، أما قناعة الروح فجريمة لا تغتفر.
{ انظروا إلى أناملكم كيما تعرفوا كيف تتساوى الأشياء والمقادير التي ليست متساوية في الظاهر.
{ اللهم أعطنا نورا غير الذي يستقر في بؤبؤ العين، وسمعا غير الذي يقرع في طبلة الأذن، وشمّـا غير الذي يسري في الخياشم، لعلنا نبصر موكب الشمس خلف الغيوم، ونسمع معزوفة الربيع في فحيح الأعاصير.
{ هناك ما يشبه الأسف، ولكن على ماذا؟ لا أدري، وما يشبه الخوف، ولكن مماذا ؟ لست أدري.
{ ألا عفوك يا لبنان، لأنت أروع حلم حلمته الأرض، وأبدع قصيدة نظمتها السماء، شهادتي فيك لا يجرحها كون ترابي من ترابك وخيوط عمري بعضها من نسيج عمرك...
{ يا ابن آدم لقد صرفتك الدهشة بأعمالك عن الدهشة بأعمال الحياة ( أمك ) وأعمالك لو تدري زبد متطاير، افلا خفت من خيلائك؟ ومن ادعائك وغرورك؟
{ سألوا : ماذا يملك الأرقش ؟ لا شيء! معاذ الله، الأرقش يملك من كرم ربه كل شيء، السماء وما فيها، والأرض وما عليها، فهو من كلها تكوّن، وبها كلها يحيا، ولا يقدر على التمتع بملكيتها إلا الذين انعتقوا من كل ملك.
{ يا ابن آدم حيث الموت بالمرصاد لكل ما يولد وينمو، ولكل ما تصنعه ويعتز به قلبك وتضحك أو تدمع له عيناك، لجدير بك يا ابن آدم أن تبحث عما لا يـمـوت.
{ ناولني، الموت، ورقة مطوية ما إن فتحتها حتى ارتعدت مفاصلي وسرت القشعريرة في بدني، وانعقد لساني، لأن الذي قرأته في الورقة ما كان غير كلمتين : اكـتــب وصـيتـك.
لا أدري إن كان ناسك الجبل قد ترك وصية تشير لثروة أو رصيد ضخم، الذي لا أشك فيه أن وصيته – التي منعته أنفته وكبرياؤه أن يعلنها على المـلأ تقول بعربية فصحى : اقــرؤونــي.
كاتبة من العراق
تاريخ النشر : 2009-03-28