سلام خياط | قبل الاوان - بعد الاوان
من هو السعيد المقرفص في كوارة العسل؟؟
سأل أحد الصحافيين المخضرمين، ونحن جمع نتبادل الزيارات الأسبوعية، ونرتشف الآمال بملاعق القهوة، ونصرف الهموم بأقداح الشاي، ونعرج على الظواهر المرحلية الحاسمة التي تأخذ بمجامع العقول والأفئدة، ونتحسر على انحسار وتقلب المفاهيم تقلب بهلوانات السيرك: فالقناعة مسكنة، والرضى رضوخ، والمسالمة استسلام، والحذر جبن، والكرم منقصة، والوفاء صنعة العاجز، والإيثار ونكران الذات عيب وعقدة نقص، والسعادة وهم كبير كالكرة نركلها حين نبلغها، ونجري في إثرها لاهثين.
تساءلت -بعفوية وحسن نية- ما هو مفهوم السعادة؟ ومن هو السعيد أصلا؟
هل الثراء العريض، هل العمل المثمر؟ هل كثرة البنين والبنات، هل الصحة بأقانيمها الثلاثة النفسية والعقلية والبدنية؟ هل الاكتفاء الذاتي ولو بالكفاف؟ هل راحة الضمير، هل امتلاك السلطة وتملك مقادير الأمور ولذة السطوة في الأمر والنهي؟
بادر أحد الحاضرين المعروفين بالأريحية والسخرية والقدرة على المؤانسة، بسؤال مفاجئ: من هو العربي السعيد على هذه المسكونة؟ وقبل أن ينتظر جوابا دس يده في جيبه وأردف: سأضع مئة دولار على الطاولة، حلالا بلالا لمن يرشدني إلى أسعد إنسان في الوطن العربي.
قيل: الملك.. فهو مصون غير مسؤول يملك ولا يحكم، يتملك ويأمر فيطاع.
قيل: الأمير.. فهو يملك ويحكم وله من السطوة والثراء ما ليس لغيره من الرعية.
قيل: رؤساء الدول. قيل رؤوس الوزارات. قيل العامل الخالي البال الذي لا يملك غير آماله وأمنياته وما يسد رمقه. قيل العالم، قيل الجاهل، قيل العاشق الذي لا ينام الليل ويتغنى: مرحبا أيها الأرق. قيل وقيل وقيل، كان الصحافي الساخر يهز رأسه نفيا بعد كل إجابة، ويتلمس الورقة النقدية كأنما يستنطقها للبوح.
قلنا أعطنا ملمحا للاستدلال..
تنحنح، وقال: رجل بالذات -ليس باسمه بل بمسماه- تعرفونه برسمه وكنية منصبه المهم غير الخطير. صوره تتصدرالصحف إثر كل أزمة، تصريحاته مرشوشة كالملح والزيت والبهار على أطباق السلطة، استضافته محسوبة على القنوات الفضائية أجمع، الرسمية والمعارضة والموالية.
يتصرف كملك وما هو بملك، ينحو نحو حاكم لكنه لا يحمل هموم محكوميه، المتحزبون حوله كالجراد وليس له حزب مسمى، كرسيه ثابت لأمد وكراسي الآخرين هزازة ودوارة على مدار الساعة. يتصرف بميزانية ضخمة وما هو بوزير خزانة أو مالية. دائم السفر يجوب أقطار الأرض دون قيود، لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، ليس على قائمة الممنوعين من السفر، يدخل من بوابة (في. آي. بي) المخصصة لكبار الشخصيات العالمية دون فتح حقائب أو تفتيش جيوب. يقيم بأغلى الفنادق دون أن يمد يده لجيبه أو يفتح محفظة نقوده ليدفع فاتورة الحساب -ولو دراهم معدودات- من ماله الخاص. يجالس الملوك والرؤساء وما هو بملك ولا رئيس، ويسترشد برأيه وما هو بمستشار.
يصدر قراراته بالقناطير ولا ينفذ من قراراته إلا القراريط، وليس عليه من غضاضة، لذا فهو منشرح الصدر رضي الخاطر متفائل بالمستقبل، فسواء عنده إن قوبلت قراراته بالصد والرفض أو بالرضى والقبول، فهو بمنجى عن أي عقاب أو لوم أو حتى عتاب. خصومه بلا أنياب ولا أظافر. ليس لديه أعداء -بمفهوم العداوة المستحكمة فمهمته توفيقية، توليفية، ائتلافية، ترويجية، وآيته الأثيرة -غير المعلنة- «ادفع بالتي هي أحسن» مرتلة ترتيلا.. رأيه -عموما- محايد غير حاسم ولا جازم ولا حازم. لا يعاقب سواء إن أحسن الظن أو أخطأه اليقين، لا يحاسب إن دعي لاجتماع ولم يتحقق ربع النصاب، ولا يوبخ ولا يستغنى عن خدماته إن انفض الاجتماع مشفوعا بالفشل.
راتبه جار جريان النهر العذب لا يستقطع منه قرش أو درهم، إن هو خاب أو أصاب، إن داوم بمكتبه أو لم يداوم، ليس عليه من بأس إن هو تكلم أو لاذ بالصمت. وهو فوق ذلك، ودود بشوش، طلق الأسارير، لطيف المعشر، سلس العبارة، جيد المناورة، سياسي خبير مخضرم، رأى وأيقن، بعد سنوات التجربة الدبلوماسية أن: لا شيء يجري على هذه الأرض عبثا أو سدى. وأن لا شيء يجري على هذه الأرض غير العبث والسدى.
كاتبة من العراق
تاريخ النشر : 2009-06-27