«خلف كل رجل عظيم امرأة».. برغم أنها عبارة فقدت بريقها من خلال تكرارها، واستخدامها الصحيح والخاطئ، في المستوى العظيم والمستوى المتواضع، في الحالات الخاصة والبسيطة والحالات العامة، فإن خلفها رؤية مختلفة يمكننا ملاحظتها بوضوح، ويجب ألا تغفل عيوننا رؤية الجانب غير التقليدي من هذه الرؤية، أتصور أنه خلف هذه العبارة التقليدية إشارة واضحة إلى أن هناك -خلف الكواليس- جنديا مجهولا يدفع الرجل العظيم ليصبح عظيماً، وتكمن لذّته في مساهمته وشراكته مع شريكه الآخر في إخراج صورة جميلة لأحدهما، من دون أن يظهر في الصورة، إذ إنه لا يهم من هو، بل المهم هو الهدف الأسمى والنبيل.
لو نظرنا إلى الموضوع من الزاوية التي أتحدث من خلالها، وعبر التاريخ، لوجدنا أن لكل نبي مريديه، فخلف نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وقف أصحابه وأزواجه رضوان الله عليهم جميعاً، وخلف عيسى عليه السلام وقف حواريوه وأنصاره، وخلف موسى عليه السلام وقف رهط بني إسرائيل الذين آمنوا به فصاروا عضدا كبيرا للأنبياء والأديان، إذ كما نقرأ من التاريخ خلف كل منجز رجل، وخلف كل رجل رجال ونساء، وخلف كل امرأة عظيمة نساء ورجال، إذ إن الإنسان لا يقوم وحده، ولا يعيش وحده، ولا يرى وحده، ولا يعرف كل شيء بمفرده، ومنه جاءت الإشارة النبوية الكريمة (المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه) رؤية فعّالة في الحث على الجماعية التي تخلق انسجاماً وإنتاجاً، وليس الكثرة «الزبديّة-الغثائية» التي جاءت في الحديث النبوي، والتي تؤذي أكثر مما تنفع، وتضر أكثر بكثير مما يمكن أن نتوقعه منها، بل يصل بعضها إلى درجة «العبء»، فالكثرة أحياناً عبء إن لم تكن منتجة.
لم يتمكن الملك عبدالعزيز، رحمه الله، من فتح الرياض بمفرده، بل كان معه أربعون رجلاً من المخلصين من أبناء هذه البلاد شاركوه الحملة، وشارك أحفاد الملك عبدالعزيز الوفاء لهؤلاء، من خلال تسمية «مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، وفاء للرجال الذين كانوا معه.
الكواليس، أو منطقة الظل، أو منطقة الدعم والتغطية في مصطلحات العساكر والجنود والحرب، لا تقل أهمية عن المناطق الأمامية والمواجهة، وفي كليهما أهمية، وفي المجتمعات المؤمنة بأهمية تقاسُم الأدوار، لا أحد ينكر دور أحد، ولا أحد يتصور أن يعيش بلا دعم الآخر ومساندته، ولا يمكن أن يكون أحدهم أقل وضعاً من الآخر.
هذه الكلمات ليست للعزاء لأولئك الذي قضوا أجمل أيامهم يخدمون أصدقاءهم ورؤساءهم من خلف المسرح، وليست تأبيناً لهم، وليست مأتماً ولا رد جميل، إنها إشارة مهمة إلى أن يدرك الجميع حجم الشراكة بين الهامش والأصل، والعلاقة بين الضوء والظل، والتكامل بين أفراد الفريق الواحد، لا فرق بين أحدهما الذي يقع قريباً من الإعلام والناس، وآخر لا يراه أحد، وربما هو أيضاً لا يريد أن يراه أحد. دائماً أحب أن أقف في صف المغمور، وأدعوكم معي كذلك.
كاتبة من السعودية
samar.almogren@awan.com
تاريخ النشر : 2010-02-09