د. محمد حسين اليوسفي | بالعقل
mohammad.alyusefi@awan.com
انحدر النقاش في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة إلى درك سحيق، حينما عَيَّر نائب زميله بأنه «بيسري»!! كنا نتمنى من شغاف قلوبنا ألا يكون الأصل والفصل معياراً للمفاضلة بين الناس، بل كنا نظن أن الفوارق الاجتماعية وتحديداً بين من يدعون الأصالة العرقية، ومن ينظرون إلى البعض الآخر بأن لا أصل لهم، قد انتهت وولت، على الأقل في الخطاب العام. أجل، نلحظ ذلك في مجتمعنا في حال المصاهرة والتزاوج، ونلحظ ذلك بين أبناء القبائل أكثر منها بين أبناء الحضر، بيد أن مثل تلك التصنيفات «العتيقة» والتي أكل عليها الدهر وشرب، كنا نظنها ولت، على الأقل في علاقاتنا العامة، ومنها العلاقات السياسية. ونحمد الله أن النائب لم يرم أحد أبناء القبائل بتلك الصفة، وإلا كانت المصيبة أعظم، ولا داعي للاستفاضة في التصنيفات الاجتماعية التي تشمل أبناء الجزيرة، حضرهم وباديتهم!!
ولا نعدم أن نرى مثل هذه الهنات تحدث في البرلمانات المختلفة، فشاهدنا العراك بالأيدي في البرلمان التركي، بل حدث مثل ذلك في البرلمان الياباني والكوري، في حين لم نلحظ في تجارب ديمقراطية عريقة كالتجربة الإنجليزية، أو في تاريخ الكونغرس الأميركي منذ استقلاله، ظواهر الشذوذ تلك!! أما اللجوء إلى العنف أو استخدام الألفاظ النابية فسببه حداثة التجربة الديمقراطية في تلك الدول كاليابان وكوريا وتركيا، التي هي ليست أعمق من تجربتنا الديمقراطية!! لا أظن أن جدة وحداثة التجربة النيابية عندنا هي سبب هذا الشذوذ المسلكي، فلو كان كذلك، لشهدت جلسات مجلس الأمة في الستينيات أكثر تلك الحالات تكراراً!! إن التفسير الأرجح هو فقدان المجتمع الكويتي لـ«انسجامه الاجتماعي»، وهو ما أفرز لنا نخبة سياسية مختلفة عن نخبة الستينيات والسبعينيات. فتلك النخبة وإن اختلفت سياسياً (وهذا أمر طبيعي)، فإنها كانت منسجمة ومتناغمة اجتماعياً!!
وأظن أن هذه الحالة لن تستمر، بمعنى أن العملية الديمقراطية في الكويت، التي تبدأ بمؤسسات المجتمع المدني من الهيئات الشعبية والمهنية، إلى الجمعيات التعاونية، إلى البلدي والأمة، كفيلة بأن تفرز لنا نخبة جديدة معبرة بصدق عن التركيبة الجديدة للمجتمع الكويتي، لكن إلى أن نصل إلى نقطة الانسجام الاجتماعي تلك، التي ستعبر عنها نخبتنا السياسية، فإن ثمة حلولاً لوأد مثل تلك الممارسات، وهي إعمال اللائحة الداخلية لضبط أعضاء المجلس، وممارسة رئيس المجلس لصلاحياته!! وما يثلج الصدر هو دور الصحافة الحرة عندنا التي صبت وابل غضبها على ذلك الانحدار الذي وصل إليه نقاش مجلس الأمة عندنا، وقد يكون سلاح الصحافة الأمضى في تشذيب الممارسة السياسية في بلدنا.
Mohammad.Alyusefi@Awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-21