في أحد المؤتمرات العربية، تحدث أحد المشاركين عن مسألة «الحضور العربي في الخارج»، قائلا إن الدراسات الغربية الخاصة بالدين الإسلامي والمسلمين كانت «تهدف إلى تكريس تفوّق الغرب»، وإن تلك الكتابات ترى «أن الإسلام ليس دين اعتدال، وأن غالبية المسلمين ليسوا مواطنين مسالمين». ويذهب ذلك الباحث العربي إلى أن مثل تلك الأفكار تُختزل في التفكير الغربي المتبني لنظرية «صراع الحضارات»، والتي تدل على حاجة العالم الغربي إلى خصم يركز عليه حقده والتضليل.
حقيقة لا أدري لماذا يصر هذا الباحث، وغيره الكثيرون من المثقفين العرب، على وضع أنفسهم على طرف الصراع مع الغرب، والمبالغة في أن ما يحل بالعرب والمسلمين هو نتيجة لنظرية الغرب المؤامراتية ضد العرب، وردّي على مثل هذه التوهمات هو:
أولا: إن الغرب يزخر بالعديد من الكتابات الأكاديمية التي تناولت العرب والإسلام بصورة موضوعية وعادلة، بل إن بعضها أشاد بالإسلام، واعتبره أكثر الأديان رقيّا وتحضرا وإنسانية. ويمكننا أن نستذكر كتابات ديل إيكلمان ودانيال بيتز وغليفورد غيرتز وباربرا اسود وغيرهم.
ثانيا: إن موضوع «صراع الحضارات، أو صدام الحضارات». ليس إلا مشروعا نظريا، طرحه الأميركي صاموئيل هنتنغتون بطريقة خاطئة ومضحكة في الوقت ذاته.
عند هنتنغتون تقوم مسألة الصراع الحضاري على فكرة «الصراع والتوتر العقائدي - الثقافي»، وهذا غير صحيح البتة، لأن الصراع الحضاري هو بطبيعته صراع «تكنولوجي - مادي» بحت، لا علاقة له بالدين أو المعتقد أو غيرهما من الفلسفات الروحانية.
إن مفهوم الحضارة يشير إلى الجوانب المادية، والمتمثلة في الأنشطة التكنولوجية والصناعات،
وهي بذلك على نقيض من الثقافة، والتي تعني الجوانب غير المادية، والمتمثلة في الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والقوانين والنظم الاجتماعية.
وهنا يتضح لنا أن نظرية «صراع الحضارات» تقوم على أسس غير صحيحة، لأن المسلمين (خاصة المسلمين العرب) هم خارج نطاق الصراع الحضاري، لأنهم لا يملكون المقومات التكنولوجية - المادية التي تسمح لهم بأن يكونوا طرفا في هذا الصراع، حتى وإن أراد الغرب ذلك.
لذا يجب علينا التخفيف من المبالغة في تداول «نظرية صراع الحضارات»، وأن نكون عقلانيين وموضوعيين في تناول علاقتنا بالغرب، والتي نحن بحاجة إلى تطويرها وتنميتها لصالح الطرفين، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال العودة إلى المبادئ التاريخية الإنسانية لعملية «التنافس الثقافي - الحضاري»، والتي نتجت وتطورت عنها جميع الثقافات الإنسانية من دون استثناء.
ali.alzuabi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-28