ما عادت الذاكرة تسعفنا.. أبحث في ذاكرتي عن بعض الوجوه التي ألتقيها بالصدفة هنا أو هناك.. وجوه أعرفها لكن أسماءها سقطت من ذاكرتي.. جاهدا أحاول استعادة لحظات من حياتي وتفاصيل عشتها.. تكاد كالبرق تمر على طرف ذاكرتي بعض التفاصيل التي لا تنتعش الذاكرة لبقيتها.. مئات الكتب التي قرأتها أحاول استعادة بعض التفاصيل عنها، ولكن بالكاد أذكر بعض العبارات التي احتوتها.. ذكريات كثيرة كنت أتمنى أن تبقى عالقة.. لا تزول ولا تنتهي.. ولا يقهرنا الزمن بنسيانها.. لحظات جميلة كنا نتمنى أن تبقى عالقة بالذاكرة إلى الأبد.. خالدة لا تسقطها الأيام والسنون.. وجوه أحببناها وتعلقنا بها وقضينا معها أجمل أيام حياتنا.. سبحان الذي جعلنا قادرين على طمسها من ذاكرتنا لتصبح خطوطا لخيوط لا تكتمل!!
سبحان الذي جعلنا قادرين على النسيان، وإلا كنا سننفجر من كثرة المواجع والهموم.. هناك مواقف وأحداث وأشخاص وتفاصيل لا حل إلا بنسيانها.. لكننا حين ننسى لا نختار اللحظات أو المواقف التعيسة لننساها.. بل نجد أننا أحيانا ننسى حتى اللحظات الجميلة والأشخاص الأجمل.. حاول أن تتذكر.. بالتأكيد ستجد أنك نسيت أحداثا وقضايا ومواقف إيجابية في حياتك، كنت تتمنى أن تبقى ولا تنساها.. كما قد تكون نسيت وجوهاً كنت تتمنى أن تبقى عالقة في ذاكرتك من شدة تعلقك بها!!
من يستطيع أن يذكر سائق أجرة ركب معه وتمنى ألا يكرر التجربة.. أو شخصا جلس على الكرسي المحاذي في رحلة جوية.. أو ابتسامة عالقة في عينك لطفلة تلهو في بهو أحد الفنادق.. أو منظرا غاية في الجمال والروعة تمنيت ألا تنساه أبدا ما حييت.. أو صديقا في الطفولة تلتقيه بعد سنوات طويلة فيحرجك بالسؤال التقليدي هل تتذكرني؟ وقد تكون لم تره منذ ثلاثين عاما.. إنها الحياة وسنّتها وقوانينها، ونعم الله التي وهبنا إياها.. إن النسيان إحدى النعم الهامة والعظيمة.. لكنها في ذات الوقت نقمة إذا سقطنا في تفاصيلها.. وحلت علينا كارثة النسيان بمعنى أو من غير معنى.. وقد وفرت لنا التكنولوجيا وسائل كثيرة لتنشيط الذاكرة كالصور.. ووسائل التذكير الإلكترونية للمواعيد الهامة التي إن نسيناها قد نخسر كثيرا.
وبالرغم من كل ذلك فإن للذاكرة سرا كبيرا لا يعلمه إلا الله.. فأحيانا ومن غير مناسبة أو سابق إنذار نجد أن طارئا ما يطرأ على الذاكرة فتستعيد مواقف وأحداثا، وتستجلب شخصيات ووجوها من سالف الزمن.. ولا ندري ما السر في ذلك ولا السبب إليه.
ما يهون الأمر علينا.. أن الذاكرة أو النسيان من قدرات الله وأسرار خلقه.. ولا نملك بهما من أمرنا شيئا.. النسيان نعمة.. لكننا أحيانا كثيرة نكون بحاجة ماسة للذاكرة حتى لا نفقد ذلك البريق الذي يربط حياتنا بكافة مراحلها.. ودمتم سالمين.
madi.alkhamees@awan.com
تاريخ النشر : 2009-07-02