محمد مساعد الدوسري | غربال
mohammad.aldosri@awan.com
القدس .. خارج الوجدان العربي
عندما كنا صغاراً، قال لنا معلمونا في المدرسة إن القدس هي ضمير الأمة وقضيتها الأولى، وقالوا لنا إن أبواب السماء تتفتح فوق قبة الصخرة يوم المحشر، وقالوا لنا إنها أرض الديانات وقدس الأقداس لنا نحن المسلمين، وقالوا لنا.. ثم قالوا.. حتى أعيانا التفكير في سبب عجز المسلمين والعرب عن حشد الطاقات لاسترداد مقدساتنا وكرامتنا، كما يقولون.
العدو الإسرائيلي استباح باحات الأقصى قبل أيام قليلة، ودفعته العربدة إلى قطع أسلاك مكبرات الصوت لمنع إقامة الأذان من منابر المسجد الأقصى، وإحراق جزء من الغرفة المخصصة لتلك المكبرات، وهاجم جنوده المصلين والمتحصنين في داخل المسجد، من الذين تركوا بيوتهم وأهاليهم ورابطوا داخله لحمايته من محاولات المتطرفين اليهود لاقتحامه.
كل هذه الأحداث مرت على مدعي الإسلام برداً وسلاما، وكأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فإن كان هناك إسلام فلا بد من وجود مقدسات لهذا الدين، وإن كان هناك إسلام فلا بد من وجود ثوابت له لا يمكن السكوت على المساس بها، وهذا ما تم تعليمه لنا في الصغر من قبل أنظمتنا الرسمية، فهل من علمنا هذا كان صادقاً معنا ؟ أم إنه كان يتحدث عن دين آخر وأمة أخرى؟
بلداننا العربية هي المعنية أولاً بحماية المقدسات الإسلامية، وهي التي ربّت الأجيال المتعاقبة على وجوب استرداد أرض فلسطين وفي مقدمتها القدس، إلا أن ما يجري هذه الأيام يدل على انقلاب في المفاهيم والمناهج التي استخدمت مع الشعوب العربية في العقود الماضية، فتحرك الدول العربية في كل مرة تتعرض فيها المقدسات الإسلامية في فلسطين أصبح ذراً للرماد في العيون لا أكثر، وتدافعها على التطبيع مع الكيان الصهيوني وإقامة العلاقات معه أصبح قصب السبق الذي تسعى إلى الحصول عليه للتقرب من صاحبة الجلالة أميركا، فهل انقلبنا على ديننا أم إن دينا جديداً هو المعمول به الآن؟
أصحاب الدين الجديد المجهول هم من يتحمل مسؤولية الضعف والهوان الذي تعيش فيه الشعوب العربية، فهم من وعدنا بعنب أميركا وبلح أوروبا، فانتهينا إلى شعوب ربطت مقدراتها برضاء كيان محتل لقلب أراضينا، وبقيت مستضعفة من جيرانها الأقوياء، ممن أصبحوا يزايدون على ديننا ومواقفنا من القضية الفلسطينية، فيا له من دين أعوج ذاك الذي ينادي به مؤيدو الاستسلام.
إن الأمم الحية تعلم أبناءها المواجهة والصمود وانتزاع الحقوق وحفظ الكرامة، إلا أمتنا العربية في هذه الأيام المتشحة بالسواد، فهي الأمة الوحيدة التي تعلم أبناءها كيفية الاستسلام بطرق متعددة وبأساليب مبتكرة وإبداعية.
لكل من كان مثلي مخدوعاً بما تعلمه في أيام الطفولة، اعلموا أن قضية أرض فلسطين أصبحت خارج الضمير العربي الرسمي، وعليكم بالضمير الشعبي فهو ملجأ الضعفاء في كل مكان.
mohammad.aldosri@awan.com
تاريخ النشر : 2009-10-28