مرة أخرى .. في فلسفة الحداثة
من الكتب التي قرأتها مؤخراً، وأعتقد أنها مهمة جداً، كتاب «الإيديولوجيات والهوية الثقافية.. الحداثة وحضور العالم الثالث» للكاتب جورج لارين، وترجمة د. فريال حسن خليفة. وهو كتاب نقدي في فلسفة الحداثة والفلسفة المعاصرة، يتطرق المؤلف في جانب منه، إلى مقارنة ما بين فيلسوفين فرنسيين كبيرين هما «ميشال فوكو».. و«لويس التوسير»، نظرا في العمق لفلسفة الحداثة ونقد خطابها في البنيوية وما بعد البنيوية، وفي الحداثة وما بعد الحداثة، ومعارضته (أي المؤلف) في المحصلة لمقوله «نهاية الأيديولوجيا»، التي هي ليست أكثر من تقليعة سطحية وإطلاقية، ولم تكن أكثر من نوع من الإرهاب المفتوح باسم «فكر ليبرالي» وحيد، هو في الواقع خال من كل تفكير، وهمه فقط كان التنظير لإيديولوجيا السوق والعولمة، وإلزام الناس في العالم أجمع، بممارسة تمارين عقلية في غاية الغرابة، هدفها الخضوع والسيطرة التامة لسلطة مدبري إيديولوجيا السوق والعولمة بطبعتها السياسية الأميركية التي جاء بها المحافظون الجدد، وسقطت بسقوطهم، كما يرى أغلب الليبراليين الأميركيين أنفسهم.
وفي عودة إلى المقارنة بين «فوكو» و«ألتوسير» يرى جورج لارين بأنها مقارنة تنير العقل، بسبب أنها تظهرهما يشتركان في اهتمامات وخصائص أساسية، فكلاهما يربط بقوة المعرفة المؤسساتية. وكلاهما يتجه إلى رفض مركزية الذات، ويتصورها بوصفها تكويناً خطابياً (أي مكونة بواسطة الخطاب). والأكثر أهمية أنهما يريدان التعبير عن الصور المختلفة للسيادة والسيطرة. ولكن الاختلافات النظرية بالطبع جوهرية جداً. يرفض «فوكو» مقولات الكلية والانحياز والبناء الفوقي، ولديه تحفظات خطيرة على كل مفهوم للإيديولوجيا. وهو يرفض قبول التناقض بين الإيديولوجيا والعلم، بين المعرفة والقوة، ويعتبر إشكالية القوة متجاوزة مجال الحكم الطبقي والدولة والسيادة أو السيطرة.
وبينما يحلل «ألتوسير» نمط الإنتاج بوصفه كلاً مصنوعاً من ظواهر اجتماعية مختلفة مترابطة، أو متمفصلة وفقاً لمحددات دقيقة محددة بشكل نهائي بواسطة البناء الاقتصادي، يؤكد «فوكو» عدم التواصل والتشتت والاختلاف، بإثبات أن إمكانية التاريخ الكلي قد بدأت تختفي، بينما بزغت إمكانية التاريخ العام: وصف جامع يجذب كل الظواهر حول مركز واحد، هو مبدأ، أو معنى، أو عالم من الرأي وشكل واق.. وعلى العكس يمتد التاريخ العام، أو يباعد مكان التشتت.. وهذه هي نتيجة الانتشار المتنوع لعلاقات القوة، ولكن هذا ليس معناه أن التاريخ هو فوضى. فالتاريخ الذي يحمل إلينا محددات شكل، أو صورة الحرب، أكثر من شكل أو صورة اللغة، أي علاقات القوة، وليس علاقات المعنى. فالتاريخ ليس له معنى، وليس معنى هذا أننا نقول إنه سخف أو عبث أو هو مفكك وغير متواصل، بل على العكس، إنه معقول ويجب أن يكون قابلاً للتحليل إلى تفاصيل أدق، ولكن هذا في توافق مع معقولية الصراعات ومعقولية الاستراتيجيات والتكتيكات أو فنون التنظيم والتدبير.
هكذا، فإن ما يقلق الفيلسوف الكامن في كل من «فوكو» و«ألتوسير»، هو أساساً تلاشي المعنى وانسحابه من حياتنا الفردية والجماعية وصعود التفاهة واللا معنى.
أخيراً، لا بد من أن أشيد بمترجمة الكتاب، فقد بذلت جهداً عميقاً وموصولاً حتى جاء بهذه الحلّة الدالة على المعنى بإشراق لغوي نافذ.
تاريخ النشر : 2009-03-14