الصفحات الكاملة
الرأي
الاثنين 2009/3/16 العدد:480
أحمد فرحات  |  قلب الكلام
كاستورياديس
في أثناء إقامتي في باريس في أواسط الثمانينيات، كنت ألتقيه أسبوعياً، في إطار حلقة نقاشية اختيارية، تدور موضوعاتها غالباً حول السياسة والثقافة وفلسفة العلاقات التبادلية فيما بينهما، وذلك في مقهى الدوماغو، المعروف لدى النخب الفرنسية والأجنبية المقيمة في عاصمة الفكر والثقافة العالمية. وكان كورنيليوس كاستورياديس، الفيلسوف والمفكر السياسي الراديكالي الانفتاح، يحرص على طرح كل فكر نقدي حي يبلور ذاته فيما بعد في فلسفة مكثفة واحدة هي الاستقلالية.. الاستقلالية العالمة، الهاضمة والمتمكنة من كل شيء في الحياة الفكرية، منذ ما قبل الإغريق وإلى اليوم، باعتبارها كما كان يقول «القيمة العليا لكل حرية ممكنة».. وفي الدفاع عنها بوصفها «ذلك التساؤل اللامحدود الذي لا يتوقف بإزائه أي شيء من أحكام إطلاقية رعناء، أو محكمة الضبط.. لا فرق، إذ من براعة هذه الفلسفة أنها تعيد وضع نفسها وباستمرار موضع المساءلة المتجددة، والتي لا تجعل بينها وبين العقل أي سدود منيعة».
وللمعلومات، كاستورياديس، هو فرنسي من أصل يوناني، كان قدم إلى عاصمة النور والحرية: باريس في العام 1945 واستوطن فيها وتثقف وثقّف حتى وفاته في العام 1997، وله طبعاً العديد من المؤلفات أبرزها: «طاقم الأشياء»، «البلورة التي لا تتبلور»، «جسر المعرفة». كما أنشأ وبمساهمة مع آخرين، العديد من المجلات والدوريات الفلسفية من مثل «لابريتس» و«حر».. والتي أثرت في جيل فلسفي وثقافي كامل في فرنسا وأوروبا والغرب بعامة. شخصياً كنت أحرص على أن أكون من جلاّس حلقاته، ودورياً، في مقهى الدوماغو.. مستمعاً ومناقشاً، من موقع التعلّم والاستفادة المعرفية، ولاسيما أن من بين الحاضرين كان هناك عمالقة كبار غيره في الفكر والإبداع من أمثال الإرجنتيني خورخي لويس بورخيس والباكستاني حكمت شاورر، والهندي سينغ مينالي، والياباني كيرو ماناغا، والألماني هانز دوغلر، والفرنسي ايمانويل نوريه وغيرهم.. وغيرهم. وكان هو قطب الرحى في كل مناقشة، من غير تسيّد، ولا تعالم، ولا انتقائية مغرضة في أي موقف، أو تداول نقاشي.
بكثير من الذكاء كان كاستورياديس يتصدى لفلسفة ميشال فوكو، واشتغاله على الحالات الجنونية والنفسانية المركبة في قرون غابرة.. مثالاً لا حصراً. وكان فوكو يخشاه جداً، لأنه كان يضع يده وبفقه علمي وفلسفي نقدي متجاوز، على معظم أطروحاته المركزية.. ولطالما اتهم كاستورياديس فوكو، بأنه يريد إعادة الهندسة الاجتماعية إلى واقع ذهاني مجاني، يعطل كل شيء في السياسة والفلسفة والإبداع، وبالتالي مصادرة أي أسئلة استنتاجية جديدة، يمكن أن تكسر الأطواق وتتقدم. إن إدارة تبادل الاعتماد الكوني فكرياً لا تكون وفق مزاج فوكو الضائع، ولا وفق تفكيكية جاك دريدا الخاضعة لمخاطر تذبذب الأزمات، والتي تبدو أصلاً في ترادفها الواحدة فوق الأخرى كالأساطير الخرافية، التي تفكك حالها بحالها، ولا فضل بالتالي لنظرية دريدا التفكيكية سوى أنها تعيد إنتاج المنتج «الطبيعي» بطريقة يراد لنا من خلالها أن نصاب بفقدان ذاكرة جماعي كما كان يظهر كاستورياديس.
والتفكّّر أو التفلسف الاستقلالي الذي كان يدعو إليه فيلسوف الاستقلالية، إنما يقوم استطراداً على أساس الواقع، لا على أساس الفوضى الخيالية، لأن التفكر المنتج، هو الذي يعالج الواقع ولا يخرج من نطاقه.. وليس في ذلك طبعاً أية أدلجة أو منهجة محددة بذاتها ولذاتها.. بخاصة أننا كبشر، سنظل أيضاً عبارة عن خليط من النقائض، سيظل ينبثق عنه فتوحات أفكار تتداول وتنتج من خلال تداولها أفكارا جديدة.
الاستقلالية تعني باختصار ألا ننزلق إلى إطلاق أحكام كلية، قاطعة، بغير حذر
أو فحص أو تمعن، وحتى لو تمَّ لنا ذلك كله، فالحقيقة، التي هي بنت النزاهة دائماً، في مكان آخر.. وهي أدهى من أن يلتقطها أحد.
تاريخ النشر : 2009-03-16
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...