الصفحات الكاملة
الرأي
الأربعاء 2009/3/18 العدد:482
أحمد فرحات  |  قلب الكلام
ألم النفس العارفة
في حواري مع فيلسوف الاستقلالية، الراديكالي الانفتاح، كورنيليوس كاستورياديس في باريس، في منتصف الثمانينيات، تطرقنا إلى مسألة «نهاية الفلسفة» كما يقال مع الألماني مارتن هايدغر، فكان رأيه أن لا شيء يمكن له أن ينتهي في عالم الأفكار، بل هو في حالة تطور مستمر، أو قل تغاير مستمر، في أسئلته ونتائجه.. الذي ينتهي فقط، هو انسحابنا من الأفكار، أو تناسيها، أو النظر إليها بذات متنطّعة، متعالية على مجال أحداثها ومتوالياتها.
وعندما علقت قائلاً بأن الفلسفة، باعتبارها شبكة فكرية منتجة، متفاعلة عبر الجسم الاجتماعي المرحلي، ومنتقلة منه إلى جسم اجتماعي مرحلي آخر، فبالضرورة إن الجسم الجديد يبلورها على نحو مغاير، وموائم لحاجاته وتطلعاته، وتكون هي كمن يخترق الأشياء وينتجها، بحيث لا تقع في التذويب أوالتفريط.
أجاب كاستورياديس بما معناه إن السؤال الفلسفي له دوماً انزلاقه الصامت والعميق في المعنى، مهما غشيته غواشي التعليقات الأيديولوجية أو الوظائفية الأخرى، وما أكثرها من حواليه. وهو سؤال يظل غالباً مهما بدا مغلوباً، وقائما بقوة مهما بدا ضعيفاً.. ولذلك فإن الحديث عن أن الفلسفة انتهت عند هايدغر، هو حديث يموقع تحليله في مستوى آخر من الأدلجة، ولا علاقة له البتة بأنساق الفلسفة ومجرياتها التي لا تعرف فائض «العمل الفكري» الرخيص والعابر.
وأردف كاستورياديس «فيلسوف الاستقلالية -فرنسي من أصل يوناني» يقول: «وأسخف شيء في هذا المضمار، لو رحنا نعدد البراهين ونؤكد عليها، فالذي يطلب البرهان هنا هو المتحدي الأجوف، والذي يغلف غريزة الانتقام ولغوها الشره، على العقل المتدبر المنفتح».
ومن الفلسفة إلى القلق الإنساني قادنا الحديث، وسألته عن طباع النفس البشرية.. هذه التي تتحرك دائماً بين بندولي: الشدة واللين، الغضب والرضى، الحزن والفرح، القلق والاستقرار إلخ.. وعلاقة ذلك كله بالاقتصاد السياسي، بمعنى هل أن الاقتصاد السياسي هنا هو الذي يهندس دواعي حالة الإنسان وتأرجحه الأخلاقي هنا.
وأتذكر أنه قال إن الإنسان المفكر، هو دوماً ذاك الفرد المتحدي، السامق والذي يطل من علٍ على دنيا الصغار والاستخذاء السياسيين. إنه لا ينهزم، ولا يتراجع، ولا يعتذر، ولا يترجى، أو يسترحم ليعيش، ويكسب الحياة.. وإن السياسة التي تهدد الفكر بالبديهيات، هي أصلاً غير جديرة بأن تسمى سياسة. إنها بالضرورة استبداد مجاني، عبودي، بائس، يؤشر إلى حياته المكروبة، المريضة، والمهزومة أكثر مما ينبغي.
واستطرد كاستورياديس، فيما يشبه الإجابة عن سؤالي، بأن ألم النفس العارفة والتائقة إلى مزيد من المعرفة، هو شيء آخر فوق المهانات السياسية والاقتصادية، والتي ليس له بالطبع، أن يماريها أينما كانت في العالم. ألم النفس العارفة، حالة خاصة، مفردة، توحد مسالكها في رياضة عقلية هادئة، مهما أثمرت إعياء عصبياً وعصابيا.ً إنها في حالة طواف نقدي دائب الإنتاج، وما من إنجاز معرفي عظيم يمكن تحقيقه من دون هذا الطواف المفتوح على المفاجآت.
ومهما يكن من شيء، فالنجاح هو حليف ألم النفس العارفة، حتى ولو لم تنجح في طرح الأسئلة الكبرى والإجابة عنها.
تاريخ النشر : 2009-03-18
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...