الصفحات الكاملة
الرأي
الأربعاء 2009/3/25 العدد:489
أحمد فرحات  |  قلب الكلام
التفكير في التفكير
هل جربتم يوماً أن تكونوا في وضعية التفكير في التفكير؟
أزعم أنني في هذه الوضعية منذ وقت طويل، وأقول إننا يجب أن نعيد النظر في كل هذا الركام الذي نسميه فكراً، وقرأناه ونقرأه في الصحف اليومية والدوريات العربية على اختلافها، لا لشيء إلا لأنه يكرر نفسه، حتى في منهج النقد وادعاء النقد، والتجاوز وادعاء التجاوز، والتجديد وادعاء التجديد، والعقلانية وادعاء العقلانية بالمغايرة والتصويب.
وإذا كان الاستقراء والاستدلال هما قوام العمليات العقلية في نظر علماء النفس، وهما ما يقصدان باصطلاح التفكير، فإننا حقيقة لا نعثر على شيء في كل هذا التراكم الذي نستعرضه (أو يستعرضنا غصباً عنا) اللهم إلا على صدى فكر المفكرين الآخرين في الغرب والشرق على السواء، على أساس أن الفكر لا هوية له إلا شجرته الذاتية المستقلة فقط.
عربياً، أتخمنا تنظيراً أفقياً وعامودياً، بالديمقراطية وثقافتها وشروطها وحيثياتها، ولم نزدد على الأرض إلا فائض عجز، وضعف، وتشتت، وهروب من المواجهات، والتحديات التي تضرب وجودنا ومصيرنا.
كما أتخمنا تنظيراً، وحتى الثمالة، بالليبرالية وفضاءاتها الرحبة، وقبولها بالآخر، والاختلاف معه.. وبعضهم اعتبر الليبرالية الجديدة ببعديها الثقافي والاقتصادي، هي نتاج لما بعد الحداثة، التي قدمت بدورها نقداً جذرياً للمشروعات المجتمعية القديمة: الماركسية والقومية والدينية على أنها خطابات غير قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، لكنها لم تقدم مشروعاً جديداً، وإنما أنواع من الحنين إلى الماضي، أو المستقبل، باعتباره يخضع أيضاً لمبضع فلسفة الشيئية التي تطبع بظلالها العقول والمدارك.
غير أن الذين نظروا للحداثة وما بعد الحداثة، وقاموا بـ«تلخيص» مجتمعات العالم وحراكها المروحي في كل شيء، والكون العلمي والثقافي والفلسفي وما يطرأ فيه وعليه.. لم يقولوا لنا مثلاً إن الحداثة هي مشكلة عصر، وليست مجرد «زمان» جديد أو «زمن» أجدّ.
صحيح أن المفكرين الرواد، وتلاميذهم الكبار في كل مكان، نقلوا لنا خبراتهم الثقافية والتنظيرية والنقدية ببراعة تفتقت عن معارف مركزية واسعة، وذات قيمة عالية في كفاءة الخطاب والإقناع عبره، لكنهم شيدوا بدورهم متاريس عالية، كان الأجدر بهم هدمها قبل أن تتحول إلى تدين جديد، أو إلى ايديولوجيا جديدة، تملأ العقول والمدارك بعمى جديد.
نعم، تحولت مثلاً الديمقراطية إلى إيديولوجيا (ومعها أيضاً الليبرالية) ذات صرامة، أين منها صرامة الإيديولوجيات المنقودة من طرفها.. وهي حالة باتت لا تستقيم بداهتها إلا وفق منطق الفكر الأحادي الذي يستخدمها، أو يبتكر المعاني والأفكار التي تنبعث من شراراتها، وذلك كله بهدف أن تنشغل بها العقول والأنفس ومطارح الآمال ومسارح الأوهام.
التفكير في التفكير ينزل بي كل يوم.. وما أكثر ما لا أعرف.
تاريخ النشر : 2009-03-25
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...