في خطأ التسميات الإجمالية
ليست دقيقة ولا حتى موضوعية تقريباً، هي التسميات التي وسمت قروناً بأكملها، محددة لكل قرن توصيفاً بعينه.. كأن يقال مثلاً إن القرن التاسع عشر، هو عصر الإيديولوجيا، وإن القرن الثامن عشر، هو عصر الأنوار، والقرن السابع عشر، هو عصر العقل وطرح الأسئلة العقلية من أغلب الزوايا، والقرن السادس عشر، هو عصر المغامرات الكبرى والتجريب الجريء خلالها.. وقبلها جميعاً أطلق على القرون الوسطى عصور تكريس الإيمان والمعتقدات اليقينية، بمنطق الفكر الآحادي في ماهية خطابه الغيبي، الذي يميل أحيانا الى تشريع الخرافة واللاعقلانية والأسطورة.
واضح أن هذه التسميات أطلقت على سبيل التأرخة الإجمالية.. وقد حددها مؤرخون ودارسون وبعض علماء اجتماع وفلسفات سياسية على سبيل الفرز السريع لبعض مزايا كل حقبة شهدها تاريخ المركزية الأوروبية، وليس تاريخ أية قارة سبقت أوروبا بالحضارة والتنوير البشري.
وأكبر دليل على بطلان هذه التسميات بمعناها الإطلاقي الشمولي، هو الاختلاف على توصيف القرن العشرين.. فمن قائل مثلاً إنه عصر الذرة وغزو الفضاء وتحليل الأشياء، إلى قائل بأنه عصر الهزائم الكبرى (الحروب العالمية الأولى والثانية) وسقوط الحضارة الغربية على حد تعبير أوزوالد شبنغلر في العامين 1926 و1928.
وإذا ادعينا مقاربة موضوعية للموضوع، قلنا إن كل قرن أو عصر، هو عصر تحولات يشتد فيه الصراع ويحتدم بين التقليد والحديث، والتجميد والإصلاح، والحروب وصناعة السلام الزائف، تمهيداً لحروب همجية جديدة، أين منها حروب الهمجيات الأولى في العصور المسماة خطأ بالبربرية، بخاصة وأن أسلحة الفتك باتت، مع التطور العلمي المتسارع، هي الأعقد تدميراً وإبادة ومسحاً.
وهكذا في كل دورة حياتية جديدة ومتوالية تستغرق، لنقل قرناً من الزمان، تتجدد الصراعات إياها تقريباً بين البشر، وتداولاتهم المفاهيمية في ميادين السياسة والفكر والتفلسف والإيديولوجيا إلخ.. ولا يتقدم أو يتطور في خط بياني واضح سوى العلم والمكتشفات العلمية والتكنولوجية.. والعلم بذاته مسألة حيادية بمنهجه وطرائقه، حتى وإن وظفت منجزاته في أخطر المشروعات السياسية وأكثرها تطرفاً وتخريبا و ظلما وعدواناً وتوحشاً وتبربراً إلخ.
ونستدرك فنقول إنه إذا كان عصر التنوير في القرن الثامن عشر، هو عصر فاتحة ثورة علمية وأنوارية كبرى انشبكت فيها أسئلة العلم بالفلسفة وسائر المعارف، وانتجت تلكم القوة الدافعة الجديدة في الميدان العقلي، ولاسيما على يد كل من «دالبير» و«ديدرو» و«هولباخ» إلخ...إلا أن هذه الحركة التنويرية، وعلى رغم ما سجلته من إنجازات علمية وفكرية وفلسفية، سرعان ما تصدى لها وبالنقد الجذوري المحكم، مفكرون لاحقون، تبين لهم «خسفها» و«انحراف» عقلها المادي الصارم، البارد، من أمثال الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت في كتابه: «نقد العقل الخاص» الذي دعا خلاله إلى فتح كوة للإيمان في قلب مساحة العقل، والفليسوف الإنكليزي إدموند بيرك.. والفيلسوف الفرنسي هيبوليت تين، الذي وجه لوماً معرفياً قاسياً للثورة الفرنسية «باعتبارها مسؤولة عن تسخيف وتبسيط العقل الكلاسيكي المجرد».
وهكذا الأمر يتوقف على الإنسان.. فردا وجماعة في كل عصر، فإما أن يكون هذا الإنسان أعقل وأجمل كائن، أو يكون أذله وأحقره وأكثره تدميراً لنفسه وللكوكب من حواليه.
تاريخ النشر : 2009-03-31