إذا كانت الأمم شرقاً وغرباً تتطلع إلى كيفية صياغة هذا القرن الجديد، بالاستناد إلى مواقعها ومصالحها واستراتيجيتها، فإننا نحن العرب لا نملك القدرة، حتى على متابعة مشهد انهيارنا المريع والهستيري المأفون.
فما يجري في الجغرافيا العربية المتوترة والمفككة، يكاد يحطم آخر دفاعاتنا العقلية، ويرمينا كل يوم في انصعاق، وفقدان اتجاه وتجديد عجز وبؤس.
ومع أن كثرة كاثرة من مفكرينا ومثقفينا أشّرت وتؤشر إلى الكوارث، وتحذر من الأفدح منها، فإن سبيل الانهيارات العربية مستمر وتكاد العين لا تقوى على رصده لفرط تسارع وتائره.
وعلى الرغم من ذلك كله لا نتعلم نحن العرب، ولو من تجربة هزيمة واحدة تنهكنا وتبعثرنا شر بعثرة، بل على العكس، نجد أن أغلب خطاباتنا السياسية يعاود أصحابها الثرثرة إياها، باللغة الميتة إياها من ستين عاما.. ولا يقوم هؤلاء حتى بتعديل، ولو طفيفا، في ملوية تفكيرهم المفرط، والمؤسس بشراسة على الخواء وصيانة هذا الخواء أيضاً.
فكرنا السياسي «الإستراتيجي» في معظمه إذاً، فكر مسبق بأحكام مسبقة، وذات رطانة مملة، معيبة ومستقبحة.. وأخشى ما أخشاه أن يأتي يوم (وقد وصلنا إليه بالفعل) تستحيل فيه مجتمعاتنا العربية برمتها مجتمعات مقفرة، هائمة وخاوية من أي إحساس بالمسؤولية الجماعية.
من جهة أخرى، وعلى المستوى العالمي، انهار كما نلحظ النظام الأخلاقي العتيد للسياسة الدولية العتيدة، وباتت المؤسسات الدولية، وفي طليعتها الأمم المتحدة، تنظر بعين واحدة إلى القضايا المعقدة والشائكة في العالم، وفي الطليعة منها الصراع العربي- الإسرائيلي، فتجبن المنظمة الدولية حتى عن إدانة المعتدي بالكلام، بينما تنهال على الضحية باللوم والتقريع وتحمله كل المسؤولية.. أكثر من ذلك، تضرب مؤسسات هذه المنظمة وتنهتك قراراتها منذ ستين عاما، فلا تفعل شيئاً حتى لبرودة الموت، وهي تسري في أوصالها وجسدها العام.
من جانب آخر، أي عربياً، بات أقصى طموحنا تحقيق المصالحات العربية بين دولنا المختلفة. أما النظر إلى سرطان التهرؤ العربي العام، والعمل على تداركه، أو قطع دابره، فهذا يبدو من «الممنوعات» الصعبة المنازلة، والتي يخلق ظروفها الآخر كل يوم، ويعمقها، بحيث أن الخطر الماحق عليه يظهر بمجرد قيام جسد سياسي عربي صحيح ومعافى.
لا نريد ان نتشاءم أكثر، وخصوصا أن بعض الإيجابيات برزت في القمة العربية الأخيرة في الدوحة، لكن من يصلّب هذه الإيجابيات ويدفعها لتتسع دوائرها كل يوم.. وقبل فوات الأوان.. أوان فصل الإنسان العربي عن وجوده ومعناه.. وضرب جهاز المفهمة لديه، وتحويله إلى مجرد كتلة بهماء محمولة على الضياع والتهلكة
والموت والبوار؟!
تاريخ النشر : 2009-04-04