الصفحات الكاملة
الرأي
الثلاثاء 2009/5/5 العدد:530
أحمد فرحات
في ما يشبه هجاء العقل
أحيانا يتحول العقل الصارم إلى سربال ضاغط لا يطيقه القلب، إذ القلب هو «عقل» أيضا، له تفكيره المرن الإنساني، والسمح الطيب، ويدفعنا إلى أن نقف بين يديه متأدبين خاشعين أمام أحكامه، التي لا تزخرف الكلام ولا توشيه.
يتخطفنا العقل، ويتناهبنا غالبا، فيدفعنا إلى الغضب من أنفسنا ومن الآخرين، فنسهم في تعقيد مشكلات المجتمع، بدلا من ادعائنا الاشتغال على حلها.. ولا نعرف كيف نخرج منها، على رغم إيماننا الدائم بأرجحية العقل على القلب.
فالعقل القاطع بذكائه الخارق، وفطنته النادرة، قد يسقط أحيانا في حال من البلادة، والعيّ، وخمول التكرار، والتهديف، وسيادة المفاهيم التعميمية التي تنحرف عن محورها، ولا يدري العقل أن هذا الذي يفزع إليه، إنما هو مشكلته المزمنة التي ترفض إشارات القلب ولطيف توازناتها.
مقطع القول، يملي علينا العقل حوارا قهريا، مشوبا بعصاب الحواز، وتجريد الأمور من ماديتها، على رغم تمثيله لها باسم الواقعية والتحديد، تحديد منطق الأمور بصورها العيانية.
أمعنى هذا أن العقلانيين بلا قلب، يحملون في أنفسهم أيضا عناصر المرض والجنون؟.. أمعنى هذا أن العقلاء حين يشطبون قلوبهم، هم عقلاء مؤقتون؟
ربما، فالعالم المسعور ينتج عقلا مسعورا، يلتهم حتى منطقه بالإصلاح، ويودي به (في حال «العناد المنطقي») إلى الشطط، و«فوضى» التفكير، والاعتماد على القياس العشوائي، ذلك أن العقل الصارم، يظل يلتهم صرامته، ولا يشبع من الالتهام، الذي يظل يعززه بالنكد والغمّ، نكد المفاهيم التخصيصية التي تقود الى أخرى أكثر تخصيصا.
ولنا أن نتساءل عن الحل.. أو فكرة ما العمل؟
لنعترف، بأنه لا يمكن لتفكير، مهما بلغ نضج عقله، أن يشبع لإنسانه كل رغباته باسم العقل والعقلانية، طبعا ما لم يترافق ذلك، وبالتأكيد، مع مادة خصبة من «جماليات» القلب، أو «ذهن» القلب.
لكن في المقابل، الاعتماد على القلب أيضا من دون العقل، هو ضرب من المرض النفساني والعقلي، الذي يطيح بكل شيء، بدءا بالإنسان نفسه، وانتهاء بعالمه المتراكم بمساره من حواليه.
ولا مراء إذاً من الخوض في القول الاستنتاجي بأنه
لا بدّ في المحصلة من أن يكون التفكير العقلي الناجح، مزيجا من حدس ومنطق، ومن إلهام وتأمل.. ومزيجا أيضا من غموض ووضوح. فالغموض يتضح بالإلهام القلبي، والوضوح يلتئم بالمنطق العقلي.. والعقل الإنساني المنتج أو المبتكر، هو بالضرورة طيّع، مرن، وفيه من الإمكانيات ما يكفل له أن يعالج العقلاني واللاعقلاني معا.. والواضح والغامض معا أيضا.. وأن النفس الإنسانية المتفوقة،
ما هي إلا هذا الامتزاج من الشعور واللاشعور، والوجدان واللا وجدان، والحدس والتفكير.. وكلما انسجم المزيج الفكري المنطقي بالوجداني الإلهامي، اقترب الإنسان من السواء ومن الخلق، ومن الشخصية القوية التي لا تلد ضعفا، كما لا تلد عنتا ولاعنادا.
تاريخ النشر : 2009-05-05
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...