المصالحة المطلوبة في العراق
حتى اليوم، وإلى حين ربما لا يستهان بطوله، سيظل العراق في حاجة ماسة إلى مصالحة وطنية، توفر المناخ المناسب لإصلاح العملية السياسية الحالية القائمة على معايير مختلة، قوامها المحاصصة الطائفية والحزبية. فإصلاح هذه العملية هو حجر الزاوية لوضع العراق على مسار الانتقال إلى النظام الديمقراطي الذي اختاره الشعب العراقي بالاقتراع على الدستور الدائم منذ ثلاث سنوات ونصف السنة. والالتزام بهذا المسار، هو الكفيل بتحقيق الاستقرار والأمن في البلاد، وانطلاق ورشة إعادة إعمارها والخلاص من الخراب الأسطوري الذي خلّفه نظام صدام. لكن يتعيّن على المصالحة هنا أن تجري وفقا لرؤية واضحة وبرنامج محدد.. وغياب مثل هذه الرؤية أو هذا البرنامج، يجعل من عملية المصالحة مسألة غير منتجة، وإن أثمرت فثمارها بالضرورة مرّة، كما هو حاصل على أرض الواقع اليوم.
رئيس الحكومة السابق إبراهيم الجعفري استثمر فكرة المصالحة للتحالف مع ميليشيا «جيش المهدي» في سبيل دعم بقائه في السلطة، ما أدى إلى تفاقم دور هذه الميليشيا الطائفية، التي ضّمت بين صفوفها سقط متاع المجتمع العراقي الخارج للتو من دكتاتورية رهيبة وحروب مدمرة، أنتجت فئات اجتماعية واسعة مشبعة بالقيم غير الإنسانية وغير الوطنية. ونجم عن ذلك التحالف (الجعفري-الصدري) تفجير شرارة حرب أهلية طائفية كادت تدمر العراق، كما لم تدمره حروب صدام.
لم يأخذ رئيس الوزراء اللاحق نوري المالكي العبرة مما حصل في عهد سلفه. فهو أيضا امتطى حصان المصالحة من أجل توسيع قاعدة حزبه (الدعوة الإسلامية) وتعزيز نفوذه وضمان استمراره في السلطة، فسعى إلى إحياء القبلية عبر تشكيل مجالس الإسناد العشائرية، خارجا بذلك على الدستور، ومتعارضا مع التوجه الديمقراطي الذي اختاره الشعب العراقي، فليس من توافق بين الديمقراطية والبنى الاجتماعية القديمة.. النظام الديمقراطي بطبيعته نظام متحضر متمدن.
في الآونة الأخيرة طرحت، وبقوة، مسألة مصالحة القيادات الصدامية لحزب البعث، وكان هذا بضغط أميركي جعل المالكي يطلق تصريحا أثار غضبا وسخطا شديدين، خصوصا في الأوساط السياسية. ربما أراد المالكي بتصريحه اختبار ردة الفعل الشعبية والسياسية، أو إيصال رسالة إلى الأميركيين تفيد بأنه محكوم على هذا الصعيد بمعارضة سياسية وشعبية قوية.
أياً كان الأمر، فإن غياب الرؤية الواضحة والبرنامج المحدد لقضية المصالحة، هو ما شكل ويشكل جزءا من العرقلة والتعطيل لهذه القضية. لكن الجزء الأكبر يرجع إلى عدم نهوض الحكومة ببرنامجها الاجتماعي والاقتصادي، فالاقتصاد لم يزل يعاني من كل المعضلات الموروثة من عهد النظام السابق، وكذا الحال بالنسبة إلى الأوضاع الاجتماعية.. العراقيون مازالوا بأمسّ الحاجة إلى الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، الكهرباء، الماء، الصرف الصحي...). وقد توقعوا أن تحدث هذه الحكومة نقلة نوعية كبيرة في حياتهم، خصوصا أنه توافرت لها موارد مالية هائلة، التهم الكثير منها الفساد المالي والإداري، وتبدد الباقي بسبب عدم كفاءة القائمين على الدوائر والمؤسسات التي أنيط بها تقديم هذه الخدمات.. فمسؤولو هذه الدوائر والمؤسسات يجري اختيارهم وفقا لمعايير الانتماء الطائفي والحزبي وليس على أساس الكفاءة والوطنية.
بدلا من السعي وراء الميليشياويين والصداميين، وبدلا من محاولة إعادة الروح إلى رميم النظام القبلي، يحسن بالمالكي وسواه من زعماء الأحزاب والقوى المتنفذة أن يوفروا الخدمات للشعب من حرّ مليارات نفطه، وأن يعيدوا الحياة إلى المصانع والمزارع من هذه المليارات أيضا، وأن يسعوا إلى اجتذاب مئات آلاف الكفاءات الوطنية الرفيعة المستوى المهملة والمهمشة في الداخل، أو المنتشرة في القارات جميعا. فهؤلاء، والملايين من عامة الشعب الذين سيستفيدون من تطبيق البرنامج الاجتماعي والاقتصادي للحكومة، هم الذين سيشكلون الدرع الحامية للعراق ولنظامه الديمقراطي، وليس القتلة من البعثيين والميليشياويين، أو المرتزقة من رؤساء العشائر الذين رقصوا لصدام مثلما يرقصون اليوم للمالكي وسواه.
adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-07