مع المعايير المزدوجة.. لا مصالحة في العراق
المثال الأسطع والأنموذج الأقرب لتحقق مصالحة وطنية في بلد مزّقته، وطويلا، نزاعات عرقية ودينية وسياسية دامية، هو ما حدث في جنوب أفريقيا. فهذه الجمهورية صارت الآن من الديمقراطيات الراسخة في العالم. وهذا بفضل تطبيق برنامج للمصالحة الوطنية استند إلى مبدأ «المساءلة والعدالة» الذي على أساسه أقرّ مرتكبو الجرائم في حقبة الحكم العنصري بما اقترفوه وأبدوا الندم بشأنه وواجه بعضهم عدالة القضاء، وعلى هذا الأساس أيضا حصّل هؤلاء العفو والغفران من الضحايا وأهاليهم والمجتمع بأسره.
من أكثر بلدان العالم حاجة إلى المصالحة الوطنية اليوم، هو العراق الذي دمرته في الماضي حروب داخلية وخارجية مهلكة سببها نظام حزب البعث، وتزيده تدميرا الآن نزاعات داخلية متعددة الأشكال والتدخلات الخارجية متعددة المصادر.
خلال الأيام الماضية عقد في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، مؤتمر وطني للبحث في ما يتعيّن أن تكون عليه عملية المصالحة التي لم يتحقق شيء منها بعد مرور ست سنوات على سقوط نظام البعث، بسبب غياب البرنامج الواضح للمصالحة وانعدام النية الصادقة والإرادة الحقيقية لدى الأطراف المعنية بالمصالحة.
في هذا المؤتمر تجددت الدعوة إلى ما تبقى من قيادات البعث للاعتراف بالجرائم والأخطاء والخطايا التي ارتكبها نظامهم ومواجهة المسؤولين الرئيسيين عنها القضاء، ليس للانتقام منهم، وإنما لأخذ العبر والدروس حتى لا تتكرر في المستقبل محن الماضي القريب وويلاته، وحتى لا يسلك الحكام الجدد مسلك صدام وزبانيته.
المصالحة شرط لازم للأمن، والأمن شرط لازم للاستقرار، والاستقرار شرط لازم لإعادة الإعمار. وفي العراق كل زاوية وركن في كل مدينة وقرية في حاجة إلى الإعمار.. بل كل نفس من نفوسه الـ 28 مليونا في حاجة إلى إعادة البناء. ولن يتقدم العراق نحو الأمن المنشود، والاستقرار المقصود، والإعمار الموعود من دون مصالحة، وهذه بدورها لن تتحقق من دون تطبيق نظام المساءلة والعدالة. لكن هذا النظام لا يقتصر على البعثيين وحدهم، فهؤلاء أصبحوا الآن أقل تأثيرا في الحياة السياسية والعامة، على الرغم مما يقوم به بعضهم من أعمال إرهابية بدعم من بعض الجيران.
نظام المساءلة والعدالة يتعين أن يشمل أيضا مقترفي الجرائم من قوى النظام الجديد. فحتى الآن مايزال بعض هذه القوى يقوم بأعمال إرهابية لا تقل فظاعة عن أعمال البعثيين و«القاعدة». أكثر التفجيرات التي تحدث في بغداد ومناطق أخرى هذه الأيام، هي من تدبير هذه القوى المتصارعة على السلطة.
نظام المساءلة والعدالة ينبغي أن يشمل هذه القوى وميليشياتها وكل السياسيين الذين كانوا ومازالوا يغذّون التعصب الطائفي والقومي، ويطلقون التصريحات التي تنطلق معها الإشارات الخضر لأعمال القتل والتفجير والتهجير.
اعتراف البعثيين بجرائمهم ومساءلتهم عنها، لن يكفي وحده لجلب الأمن والاستقرار والإعمار إلى العراق.. لا بد أيضا من مساءلة سياسيي العهد الجديم من عتاة الطائفيين والقوميين من أمثال مقتدى الصدر وجلال الصغير وحارث الضاري وابنه مثنى وهادي العامري وعدنان الدليمي وأسامة النجيفي وعباس البياتي ومحمد الدايني وغيرهم.. وغيرهم ممن يتحملون المسؤولية الرئيسة عن جرائم قتل وتفجير وتهجير روعت العراقيين وقتلت آلافا منهم، وليس للبعثيين أو«القاعدة» أي صلة بها.
حتما إن المعايير المزدوجة لن تجلب الأمن والاستقرار والإعمار للعراق.
adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-10