على مدى القرن المنصرم بأكمله، وهو الذي كان شهد مطلعه، بزوغ وانطلاقة الحركة القومية العربية، التي تراجع زخمها كثيرا في الربع الأخير من القرن عينه، فسعت بالتالي إلى إيجاد ملاذ لها خلف الحركة الأصولية (الإسلامية) المتطرفة،..على مدى ذلك وما تبع، لم تبزّ أي قوة قومية عربية، حزب البعث العربي الاشتراكي في ملء الفضاء العربي بضجيج الشعارات القومية، مثلما لم تناظره أي حركة قومية في تجربته العملية على الأرض، والتي كان فيها هو الأول بامتياز في خيانة تلك الشعارات، وانتهاك المبادئ التي استندت إليها: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» و «وحدة، حرية، اشتراكية».
منذ ستين سنة تأسس حزب البعث. وبعد خمس عشرة سنة من التأسيس، وصل الى السلطة في بلدين عربيين رئيسيين ومتجاورين، هما: سورية والعراق، لكنه على مدى أربعة عقود لاحقة، لم يحقق هذا الحزب هدفه الأول والأعظم (الوحدة)، بل إن الحدود «الوهمية» بين سورية والعراق أقام عليها البعثيون حدودا حقيقية ظلت مغلقة كل الوقت تقريبا. أما شعار الحرية، فقد ترجم في البلدين الى استبداد لا نظير له في التاريخ العربي، فيما اشتراكية البعث نقلت البلدين الزاخرين بثرواتهما الطبيعية والبشرية الطائلة إلى قائمة الدول الفقيرة في العالم، يستوردان خبزهما من البلاد البعيدة، ويشحذان المساعدات لبناء المدارس والمستشفيات.
العقود الأربعة من حكم هذا الحزب في العراق وسورية، كانت حافلة بالقمع في الداخل، والعدوان على الجيران (إيران والكويت ولبنان) في الخارج.. ومع تجربة كهذه ما كان ممكنا أن يفلح الحزب في مد سلطته خارج البلدين الضحيتين، مع أن تنظيماته امتدت من موريتانيا إلى الكويت واليمن، ذلك أن حزب البعث لم يقدم أنموذجا يُحتذى، بل إنه ضرب مثالا لا يمكن الاقتداء به، فالعراق انتهى إلى خراب مقيم عميم، وسورية إلى تخلف وعزلة.
والآن لا يبدو أن هذا الحزب قد تعلّم من تجربته المريرة، فبينما تتوالى النصائح الى ما تبقى من القيادات البعثية في العراق، بالالتفات إلى الوراء بنظرة نقدية الى تجربة حزبهم الشنيعة، فإن هذه البقايا تقدم الدليل تلو الدليل على أن العقيدة البعثية استبدادية وشوفينية بطبيعتها، والعقلية البعثية دكتاتورية وعدوانية وانقلابية وتآمرية بطبيعتها أيضا.
في محافظة نينوى(الموصل) العراقية، أفلح البعثيون أخيرا في السيطرة على معظم مقاعد مجلس المحافظة، وبدلا من أن يسعوا حثيثا إلى تبديد الفكرة المتأصلة عنهم، وعن حزبهم، نراهم الآن يتصرفون، كما لو أن نظام صدام حسين قد عاد إلى السلطة في بغداد.. يمارسون شوفينية وغطرسة وصلف النظام البائد عينه.. وهذا مما يمكن أن يقود العراق استطرادا إلى خراب جديد يفاقم من الخراب الذي خلّفه نظام صدام، ولم يزل العراق غاطسا فيه.
وقد أعذر من أنذر.. يا حكومة بغداد!
adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-17